ورش يقود الفدرالي الامريكي وسط تحديات التضخم وضغوط ترمب

وافق مجلس الشيوخ الامريكي على تعيين كيفن وورش رئيسا لمجلس الاحتياطي الفدرالي، وذلك في ظل ظرف اقتصادي وسياسي بالغ الحساسية، مع تسارع وتيرة التضخم وتصاعد الضغوط التي يمارسها الرئيس الامريكي دونالد ترمب لخفض معدلات الفائدة.
وجاء التصويت باغلبية 54 صوتا مقابل 45، وهو ما يعتبر اقل هامش تاييد لرئيس للاحتياطي الفدرالي على الاطلاق، وفقا لبلومبيرغ، ويعكس هذا الاستقطاب السياسي الحاد داخل الكونغرس، بالاضافة الى مخاوف الديمقراطيين من استجابة وورش لضغوط البيت الابيض لخفض كلفة الاقتراض بشكل سريع.
وصوت ديمقراطي واحد فقط، وهو السيناتور جون فيترمان عن ولاية بنسلفانيا، الى جانب الاغلبية الجمهورية، وجاء هامش تاييد وورش اقل من هامش تثبيت جانيت يلين في عام 2014، عندما حصلت على 56 صوتا مقابل 26، بينما كان الدعم الحزبي المشترك لتعيينات الاحتياطي الفدرالي قاعدة معتادة في السابق، اذ حصل الان غرينسبان على دعم بالاجماع عند تجديد ولايته في عام 2000.
وينتظر وورش اداء اليمين لفترة تمتد لاربع سنوات رئيسا للاحتياطي الفدرالي، بالتزامن مع فترة 14 عاما عضوا في مجلس المحافظين، بعد موافقة مجلس الشيوخ الثلاثاء على تعيينه محافظا في البنك المركزي.
وسيتسلم وورش القيادة من جيروم باول، الذي تنتهي ولايته رئيسا للاحتياطي الفدرالي الجمعة المقبلة، لكنه سيبقى عضوا في مجلس المحافظين، في خطوة غير مالوفة قد تجعل داخل البنك المركزي مركزين بارزين للنفوذ النقدي.
ومن المتوقع ان يترأس وورش اجتماع الاحتياطي الفدرالي المقبل يومي 16 و17 يونيو/حزيران، وسط انقسام متزايد داخل لجنة السوق المفتوحة بشان الاتجاه المقبل لمعدلات الفائدة.
ياتي تعيين وورش بينما يواجه الاحتياطي الفدرالي موجة تضخم جديدة، يغذيها ارتفاع اسعار الطاقة بعد الحرب الاسرائيلية الامريكية على ايران، واضطراب الامدادات عبر مضيق هرمز، اضافة الى اثر الرسوم الجمركية التي فرضتها ادارة ترمب.
واظهرت بيانات مكتب احصاءات العمل الامريكي ان مؤشر اسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 0.6% في ابريل/نيسان على اساس شهري، بينما صعد بنسبة 3.8% على اساس سنوي، مقارنة بـ 3.3% في مارس/اذار.
كما ارتفع مؤشر التضخم الاساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، بنسبة 2.8% خلال 12 شهرا، في حين اظهرت البيانات ارتفاع اسعار البنزين والبقالة والايجارات وتذاكر الطيران بسرعة خلال ابريل/نيسان، وفقا لبلومبيرغ.
واظهرت بيانات اخرى ان مؤشر اسعار المنتجين ارتفع بنسبة 6% في ابريل/نيسان على اساس سنوي، وهي الوتيرة الاسرع منذ ديسمبر/كانون الاول 2022، عندما كان الاحتياطي الفدرالي يواجه اقوى موجة تضخم في 40 عاما عبر زيادات حادة في معدلات الفائدة.
كما صعد مؤشر اسعار المنتجين الاساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، بنسبة 5.2%، بما يشير الى ان صدمة كلفة الطاقة الناتجة عن الحرب بدات تمتد الى سلع وخدمات اخرى.
ويتوقع محللون ان يرتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفدرالي، الى 3.8%، مبتعدا اكثر عن هدف البنك المركزي البالغ 2%.
وتضع هذه الارقام وورش امام معادلة صعبة، فترمب يضغط منذ اشهر باتجاه خفض معدلات الفائدة لدعم النمو والاسواق، في حين يرى عدد من مسؤولي الاحتياطي الفدرالي ان التضخم المتسارع قد يتطلب تشديدا اكبر، او على الاقل التريث قبل اي خفض.
وتتراوح معدلات الفائدة الامريكية حاليا بين 3.5% و 3.75%، وقد خفضت الاسواق توقعاتها لاي خفض خلال العام الجاري، بل بدات تسعر احتمالا لرفع الفائدة في بداية العام المقبل اذا استمرت ضغوط الاسعار.
وحسب بلومبيرغ، يدعو عدد متزايد من مسؤولي الاحتياطي الفدرالي الى ان يعلن البنك صراحة ان خطوته المقبلة في معدلات الفائدة قد تكون خفضا او رفعا، وهو ما يعني ان وورش سيواجه مقاومة قوية اذا حاول دفع البنك نحو تخفيضات لا يراها المسؤولون مبررة بالبيانات الاقتصادية.
وكانت توقعات مسؤولي الاحتياطي الفدرالي في مارس/اذار تشير الى خفض واحد لمعدلات الفائدة خلال العام الجاري، لكن هذه التوقعات تبدو الان اقل اتساقا مع استمرار التضخم وتماسك سوق العمل، اذ يدور معدل البطالة حول 4.3%، بما لا يمنح البنك المركزي مبررا واضحا لدعم الاقتصاد عبر خفض الفائدة.
وقال وورش خلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ انه يرحب بما سماه "نقاشا عائليا" داخل الاحتياطي الفدرالي، في اشارة الى الخلافات بين صناع السياسة النقدية بشان القرار المناسب لمواجهة التضخم ودعم الاقتصاد.
تثير عودة وورش الى الاحتياطي الفدرالي اسئلة حول استقلال البنك المركزي، بعد سلسلة من المواجهات بين ترمب وباول، شملت انتقادات متكررة لعدم خفض معدلات الفائدة، ومحاولة اقالة المحافظة ليزا كوك، وتحقيقا لوزارة العدل في ملف تجديد مبنى الاحتياطي الفدرالي.
وحسب بلومبيرغ فان انتقال القيادة الى وورش يمثل احد اكثر التحولات اثارة للجدل داخل البنك المركزي الامريكي منذ عقود، واختبارا لاستقلاله السياسي، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس خلال اقل من 6 اشهر، حيث ستكون الاغلبية الجمهورية لترمب على المحك.
وكان وورش تعهد خلال جلسة التثبيت بان تبقى السياسة النقدية للاحتياطي الفدرالي "مستقلة تماما" تحت قيادته، نافيا ان يكون ترمب طلب منه التعهد باي قرار محدد بشان الفائدة.
وقال وورش: "لم يطلب مني الرئيس ولو مرة واحدة الالتزام باي قرار محدد بشان معدلات الفائدة، ولن اوافق على ذلك اذا طلبه، ساكون فاعلا مستقلا اذا تم تثبيتي رئيسا للاحتياطي الفدرالي".
لكن تصريحات مقربين من البيت الابيض ابقت المخاوف قائمة، اذ قال رئيس المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الابيض كيفن هاسيت ان الاسواق تشعر بالارتياح لان وورش "سيساعد على خفض معدلات الفائدة بمرور الوقت"، مع تاكيده ان القرار يجب ان يكون مدفوعا بالبيانات.
اصبح تثبيت وورش اكثر سهولة بعد ان رفع السيناتور الجمهوري توم تيليس عرقلته لتعيينات الاحتياطي الفدرالي الشهر الماضي، عقب اعلان وزارة العدل انهاء تحقيق جنائي متعلق بتجاوزات كلفة اعمال تجديد مباني البنك المركزي.
كان تيليس وباول وكثير من الديمقراطيين اشاروا الى التحقيق الجنائي مع رئيس الاحتياطي الفدرالي الحالي باعتباره محاولة من ادارة ترمب للضغط عليه من اجل خفض معدلات الفائدة بسرعة اكبر.
ولا يزال الديمقراطيون غاضبين ايضا من جهود ترمب لاقالة عضوة مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي ليزا كوك، اذ يرون ذلك جزءا من حملة لترهيب البنك المركزي.
وقال باول في ابريل/نيسان انه سيبقى عضوا في مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي بعد انتهاء ولايته رئيسا للبنك، لكنه سيحافظ على "حضور منخفض"، موضحا ان قراره، المخالف للسوابق الحديثة، جاء بسبب تهديدات التحقيقات الجنائية المستمرة التي قال انها تمس استقلال البنك المركزي.
ويقول باول ومسؤولون اخرون ان هذه الضغوط تهدد قدرة الاحتياطي الفدرالي على تحديد معدلات الفائدة وفق اساسيات الاقتصاد لا وفق الاعتبارات السياسية.
وورش، البالغ 56 عاما، محام وممول عمل سابقا في مورغان ستانلي، وشغل منصب مساعد خاص للرئيس الامريكي للسياسة الاقتصادية وسكرتير المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الابيض بين عامي 2002 و2006، قبل تعيينه عضوا في مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي.
وخدم وورش في مجلس المحافظين من فبراير/شباط 2006 حتى مارس/اذار 2011، خلال رئاسة بن برنانكي، وعايش الازمة المالية العالمية عام 2008، لكنه غادر المجلس عام 2011 قبل ان يدلي باي صوت مخالف رسمي داخل لجنة السياسة النقدية.
وسبق ان عمل وورش مستشارا لترمب في السياسة الاقتصادية، لكنه لم يحصل على منصب رئيس الاحتياطي الفدرالي عام 2017، حين اختار ترمب جيروم باول بدلا منه.
وتقول بلومبيرغ ان وورش اشار الى انه سيسعى بمرور الوقت الى تقليص ميزانية الاحتياطي الفدرالي البالغة 6.7 تريليونات دولار، كما قال خلال جلسة تثبيته ان خفض معدلات الفائدة اكثر انصافا من توسيع الميزانية العمومية، لان فوائده اوسع انتشارا.
وانتقد وورش اداء الاحتياطي الفدرالي في مكافحة التضخم خلال سنوات الرئيس السابق جو بايدن، قائلا ان البنك المركزي فقد تركيزه على مهمته الاساسية.
كما دعا الى تقليص بعض ادوات التواصل التي يعتمدها الاحتياطي الفدرالي مع الاسواق، ومنها التوقعات الفصلية لمسار الفائدة، معتبرا انها قد تجعل من الصعب على صناع السياسة النقدية تغيير اتجاههم عند تغير البيانات.
ويبدا وورش ولايته في وقت تتصاعد فيه مخاطر التضخم والطاقة، وتزداد فيه حساسية الاسواق لاي اشارة من الاحتياطي الفدرالي بشان خفض الفائدة او رفعها، بينما يراقب المستثمرون ما اذا كان الرئيس الجديد للبنك المركزي سيمنح الاولوية لضغوط البيت الابيض ام لبيانات الاسعار وسوق العمل.







