أزمة الدستور تعصف بالسلطة في ليبيا وسط انقسام سياسي متزايد

تتزايد حدة الانقسام السياسي في ليبيا مع بروز ملف الدستور كأحد أبرز نقاط الخلاف بين الأطراف المعنية. وأكدت مصادر سياسية أن هناك مطالب ملحة بطرح الدستور للاستفتاء الشعبي، في ظل تحذيرات من استمرار المرحلة الانتقالية لفترة طويلة. وبينما تتصاعد الخلافات داخل السلطة التنفيذية في طرابلس بشأن حقيبة الخارجية، يتم تداول مقترحات لتشكيل سلطة انتقالية جديدة.
وشدد أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور على أن غياب قاعدة دستورية دائمة قد حول المشهد السياسي إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات. وأوضحوا أن هناك مبادرات سياسية بديلة تُطرح، بما فيها مقترح أمريكي لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية.
بينما تعكس أزمة الصلاحيات الدستورية هشة الترتيبات القائمة بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، حيث طالب المنفي بإيقاف وزير الخارجية المكلّف طاهر الباعور عن العمل. وأشار أحد أعضاء الهيئة التأسيسية، نوح عبد السيد، إلى أن غياب الدستور الدائم يجعل الإجراءات السياسية والقانونية خارج إطار الشرعية، مؤكداً أن الوضع الحالي هو نتيجة طبيعية لغياب الدستور.
تتضمن خريطة الطريق المتفق عليها في ملتقى الحوار السياسي اختصاصات المجلس الرئاسي، بما في ذلك تسمية وزيري الدفاع والخارجية بعد التشاور. وقد أثير النقاش مجدداً حول حقيبة الخارجية في سياق ما يروج عن مبادرات لإعادة تشكيل السلطة، بما في ذلك مقترح مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترمب، مسعد بولس، الذي ينص على إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر.
فيما اعتبر عضو مجلس النواب، جاب الله الشيباني، أن السكوت عن الاستفتاء على الدستور وعدم إجراء الانتخابات يعكس استمرار تغييب الشعب. وحذر رئيس الهيئة التأسيسية، مراجع نوح، من أي ترتيبات لسلطة انتقالية جديدة في ظل غياب قاعدة دستورية، مشيراً إلى أن أي مسار يعتمد فقط على التفاوض السياسي سيبقي البلاد رهينة لحلول مؤقتة.
وأكد نوح أن السلطات التي تُنشأ من خلال تفاهمات سياسية دون سند دستوري تبقى مؤقتة وهشة، مشيراً إلى أنها ستكون عرضة للطعن والرفض. وذكر أن تكرار المراحل الانتقالية قد يعيد إنتاج الأزمات بدلاً من حلها، محذراً من أن عدم طرح مشروع الدستور للاستفتاء قد يدفع البلاد إلى دورة انتقالية مغلقة.
تحكم ليبيا حالياً بإعلان دستوري انتقالي منذ 2011، حيث أُنجزت مسودة الدستور في يوليو 2017، لكنها لم تُطرح للاستفتاء حتى الآن. ويعتبر أعضاء الهيئة أن طرح الاستفتاء على المسودة يعد خطوة أساسية نحو إرساء نظام دستوري دائم.
يرى عضو الهيئة التأسيسية، الهادي بوحمرة، أن ليبيا انزلقت إلى متاهة ترتيبات انتقالية متكررة صُممت في سياق تدخلات دولية، مشيراً إلى أن تجاوز الاستفتاء يمثل التفافاً على حق الليبيين في تقرير مصيرهم. وحذّر من أن أي ترتيبات جديدة قد تكون ضعيفة الاستدامة.
يشير بوحمرة إلى أن التجارب العالمية تُظهر أن تكرار المراحل الانتقالية في غياب دستور دائم يقود إلى دوران سياسي مستمر، وبالتالي يساهم في تآكل القواسم المشتركة بين الأطراف. وقد شهدت ليبيا منذ 2011 سلسلة من المراحل الانتقالية، بدءًا من المجلس الوطني الانتقالي وصولًا إلى السلطة الحالية، وسط صراعات وأزمات متتالية.
تشهد البلاد انقساماً سياسياً حاداً بين حكومتين، إحداهما تتولى الحكم في الغرب برئاسة الدبيبة، والأخرى في الشرق تحت قيادة أسامة حماد. ويؤكد أعضاء الهيئة أن الاستفتاء على مسودة الدستور واعتماده كفيل بإنهاء الأجسام الحالية وفتح الطريق أمام استقرار مؤسسي دائم.







