سجين ليبي يشعل قضية محتجزي كرة القدم في إيطاليا بإضراب وخياطة الفم

أثارت واقعة إضراب سجين ليبي عن الطعام وخياطة فمه في أحد السجون الإيطالية موجة من ردود الفعل الحقوقية الغاضبة، مسلطة الضوء مجددا على قضية خمسة سجناء ليبيين يقبعون في السجون الإيطالية منذ أكثر من عشر سنوات، وسط مطالبات بتفعيل اتفاقية تبادل المحكومين بين البلدين.
ولقي تسجيل مصور للسجين الليبي مهند نوري خشيبة اهتماما واسعا من قبل الحقوقيين والمدونين ووسائل الإعلام المحلية، بعد إعلانه الدخول في إضراب عن الطعام والشراب وخياطة فمه احتجاجا على ظروف احتجازه.
واشار خشيبة إلى أنه وُضع في الحبس الانفرادي عقب مناوشة مع عناصر الأمن داخل السجن، وذلك بعد تهديده بالانتحار بسبب ما وصفه باليأس الشديد جراء سنوات طويلة من الاحتجاز.
وظهر الاستياء واليأس على السجين الليبي في المقطع المرئي، وأقر بأن فعله مخالف للدين، مبينا أنه أقدم عليه نتيجة طفح الكيل بعد قضائه حوالي 11 عاما في السجن، موضحا أنهم تلقوا وعودا سابقة بنقلهم لقضاء ما تبقى من محكوميتهم في ليبيا، واضاف أنه سينهي إضرابه فور إعلان ترحيلهم إلى ليبيا أو إعلان السلطات الإيطالية استحالة تنفيذ ذلك.
وخشيبة هو واحد من خمسة لاعبي كرة قدم ليبيين أُدينوا في إيطاليا بتهم تتعلق بالاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة، حيث قضت محكمة إيطالية بسجنهم لمدة 30 عاما، فيما تؤكد أسرهم أنهم كانوا يسعون للهجرة بهدف الاحتراف الرياضي في أوروبا.
وحسب حقوقيين، أعادت هذه التطورات تحريك ملف المحتجزين، وسط دعوات من منظمات ليبية للتدخل العاجل لإنهاء معاناتهم، واعربت المنظمة الليبية لحقوق الإنسان في بنغازي عن صدمتها إزاء ما جرى، واصفة خياطة الفم والإضراب عن الطعام بأنه مشهد مأساوي يعكس مستوى اليأس والانهيار النفسي داخل السجون.
واعتبرت المنظمة الحقوقية الليبية أن ما حدث يمثل صرخة استغاثة تستوجب تحركا عاجلا، محذرة من كارثة إنسانية نتيجة استمرار احتجازهم لسنوات طويلة بأحكام وصفتها بالقاسية، ودعت المنظمة كلا من نائب قائد الجيش الوطني في شرق البلاد الفريق صدام حفتر ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى التدخل الفوري لتفعيل اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا ونقلهم إلى ليبيا.
وفي المقابل، لم تصدر السلطات الليبية في الشرق ولا في الغرب ولا السلطات الإيطالية أي تعليق رسمي بشأن التطورات الأخيرة، غير أن الملف شهد خلال السنوات الماضية تحركات متفرقة بين وزارتي العدل والخارجية والنائب العام الصديق الصور في طرابلس بغرب البلاد إضافة إلى مجلس النواب شرقا.
يذكر أن ليبيا وإيطاليا قد وقعتا اتفاقية لتبادل السجناء في باليرمو، وصادق عليها البرلمان الإيطالي لاحقا، ما اعتُبر خطوة نحو تفعيل آلية نقل المحكومين بين البلدين.
وابدت المحامية والناشطة الحقوقية الدكتورة انتصار القليب استغرابها من عدم تطبيق اتفاقية تبادل السجناء التي صادقت عليها السلطة التشريعية في إيطاليا، وقالت إن ذلك يحمل الجهات التنفيذية الليبية مسؤولية مباشرة لاستكمال الإجراءات دون تأخير.
واضافت أن السجناء وقعوا نماذج رسمية للموافقة على قضاء ما تبقى من محكومياتهم داخل ليبيا، متسائلة عن أسباب تعطل التنفيذ رغم استكمال الإجراءات القانونية الأساسية، ومطالبة بكشف الحقائق للرأي العام أو توضيح وجود عوائق حالت دون التطبيق.
وسبق أن أعلنت وزارة العدل في حكومة الوحدة الوطنية التوصل إلى تفاهمات مع الجانب الإيطالي بشأن مباشرة القنصليات الليبية في إيطاليا الإجراءات القانونية الخاصة بتنفيذ الاتفاقية، مؤكدة دخولها حيز التنفيذ، لكن ملف اللاعبين الخمسة لا يزال عالقا دون تقدم ملموس.
وتنص اتفاقية تبادل السجناء بين ليبيا وإيطاليا على تسهيل إعادة إدماج المحكوم عليهم في بلدانهم الأصلية عبر السماح لهم بقضاء ما تبقى من مدة العقوبة داخل أوطانهم، بشرط أن يكون الحكم نهائيا وأن يتبقى من العقوبة مدة لا تقل عن سنة وأن يشكل الفعل جريمة في قانون الدولة المستقبِلة إضافة إلى موافقة الطرفين والسجين.
ويعتقد الباحث القانوني والناشط الحقوقي هشام الحاراتي أن المشكلة غالبا ليست في وجود الاتفاقية بل في الإجراءات البيروقراطية وغياب الإرادة السياسية أو استيفاء الشروط القانونية لكل حالة.
ورأى أن واقعة خشيبة تضع على عاتق السلطات الليبية مسؤولية أكبر في متابعة أوضاع رعاياها في الخارج والضغط عبر القنوات الدبلوماسية وتسريع إجراءات نقل المحكومين إن أمكن.
واشار أيضا إلى مسؤولية الجانب الإيطالي في ضمان عدم وصول السجناء إلى هذا المستوى من الاحتجاج من خلال آليات الاستماع والتظلم، حيث رأى في واقعة السجين خشيبة مؤشرا خطيرا على مستوى المعاناة التي قد يمر بها هذا السجين وغيره عندما يشعرون بانسداد الأفق القانوني والإنساني أمامهم.
وبين الاستياء الحقوقي والشكاوى المستمرة من أسر المسجونين الخمسة، يبقى ملف السجناء الليبيين في إيطاليا أمام أسئلة مفتوحة في انتظار خطوة سياسية أو قانونية قد تنهي معاناة ممتدة منذ أكثر من عقد.







