من الركام بارقة أمل: مبادرة لإحياء التعليم الجامعي في غزة

في قطاع غزة، حيث طغت قسوة النزوح على الذكريات الجميلة، ومع تحول المؤسسات الأكاديمية إلى ركام ومراكز إيواء، تضاءلت فرص التعليم الوجاهي، ليصبح التعليم الإلكتروني هو الخيار الوحيد المتاح، لكن حتى هذا الخيار بات ترفا بعيد المنال للطلاب الذين يعيشون في خيام ويصارعون لتأمين الاحتياجات الأساسية.
في منطقة المواصي غرب خان يونس، انطلقت مبادرة أكاديمية جديدة، حيث أنشأت منظمة "علماء بلا حدود" الأمريكية "المدينة الجامعية"، وهي مساحة أكاديمية مؤقتة تهدف إلى إعادة الطلاب إلى مقاعد الدراسة.
بني الموقع من الخشب والصفيح ومواد محلية أخرى، ليشكل شاهدا على محاولة متواضعة لإعادة بناء الحياة الأكاديمية في غزة.
قال حمزة أبو دقة، ممثل المنظمة في غزة: "رغم الصعاب، رسالتنا هي تقريب التعليم من الطلاب في بيئة أفضل، صممنا هذه المساحة لتخدم مؤسسات أكاديمية متعددة وأكبر عدد ممكن من الطلاب".
واضاف: "تضم المدينة ست قاعات دراسية تستوعب 600 طالب يوميا، قد يبدو التصميم بسيطا، لكنه يمنح الطلاب شعورا بالحياة الأكاديمية الطبيعية".
وبين أن المساحة تشتمل على خدمة إنترنت تعمل بالطاقة الشمسية ومساحات خضراء، بالإضافة إلى حاضنة أعمال لمساعدة الطلاب على التفكير في مستقبلهم المهني.
ووفقا للمنظمة، تعمل "المدينة الجامعية" بجدول أسبوعي دوري، حيث يخصص كل يوم لمؤسسة أكاديمية مختلفة، مما يتيح لعدة جامعات تشارك المساحة المحدودة وضمان وصول أكبر عدد من الطلاب إليها، وفي ظل هذه القيود، تعطي الجامعات الأولوية للمساقات التي تتطلب تعليما وجاهيا.
وقد بدأت جامعات كبرى مثل الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر في استخدام الموقع، إلى جانب كليات أخرى مثل كلية فلسطين للتمريض.
خلف هذا الهيكل المتواضع تكمن حقيقة مريرة، فقد تعرضت الجامعات في غزة لتدمير ممنهج منذ بداية الحرب في أكتوبر، وأصبحت جميع المؤسسات التعليمية في جنوب القطاع غير صالحة للعمل.
فعلى سبيل المثال، تقع كلية فلسطين للتمريض اليوم وسط الأنقاض، مما عزل الطلاب تماما عن فصولهم الدراسية، وبالنسبة لجيل كامل، غابت الحياة الجامعية وحل محلها صراع يومي من أجل البقاء.
تجلس مريم نصر، طالبة التمريض النازحة من رفح، في إحدى القاعات المؤقتة، معبرة عن أهمية هذه المساحة بالنسبة لها، وقالت: "قبل الحرب، كان كل ما نحتاجه للدراسة متاحا، لكن لأكثر من عامين، تعطلت حياتنا تماما".
واضافت: "عندما رايت هذا المكان ذهلت، كانت المرة الأولى التي أحضر فيها دروسا في مساحة تشبه الجامعة حقا، نحن جميعا متحمسون، الشعور هنا مختلف، إنه شعور حقيقي".
أما عمرو محمد، طالب التمريض من مخيم المغازي، فيشاطرها الشعور ذاته، مبينا أنه توقع شيئا أبسط بكثير، لكنه وجد أن وجوده مع زملائه والنقاش والتفاعل داخل الفصل يصنع فارقا هائلا.
تعكس تجربة الطلاب في هذه المساحة الصغيرة مأساة أكبر بكثير، حيث وصف خبراء الأمم المتحدة تدمير التعليم في غزة بـ"إبادة التعليم".
ووفقا للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، قتل أو أصيب أكثر من 7 آلاف طالب جامعي وأكاديمي في الهجمات الإسرائيلية، في حين سوي أكثر من 60 مبنى جامعيا بالأرض، مما أدى إلى انقطاع مئات الآلاف من الطلاب عن التعليم الرسمي.
يواجه القائمون على "المدينة الجامعية" صعوبات جمة، وقال أبو دقة: "كل المواد هنا تم تأمينها من داخل غزة، كان علينا العمل بما هو متاح وسط ارتفاع التكاليف وشح الموارد، لكننا صممنا على خلق شيء يمنح الطلاب شعورا بالاستقرار".
ورغم أنه بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، تلتزم إسرائيل بالسماح بدخول مواد إعادة الإعمار، فإنها لم تلتزم بذلك، واستمرت في فرض القيود.
حتى الوصول إلى "المدينة الجامعية" يعد تحديا، وقالت مريم: "أنا نازحة في المواصي، لذا من المفترض أن أكون قريبة نسبيا، لكن حتى المجيء إلى هنا صعب، تبدأ دروسي في التاسعة صباحا، وأستيقظ في الخامسة فقط لأبحث عن وسيلة نقل".
ومع دمار الطرق وشح الوقود، تقتصر الخيارات على مركبات متهالكة أو عربات تجرها الدواب، وتضيف مريم: "الحصول على العملة المعدنية أمر محبط، فسائقو الأجرة والعربات لا يقبلون غيرها، بالكاد استطاع والدي توفير 8 شواكل لي اليوم، لكنني لم أجد وسيلة نقل، فاضطررت للسير قرابة 4 كيلومترات مع صديقاتي".
وبالنسبة لعمرو، الرحلة أطول، مبينا أنه غادر في السادسة صباحا وانتظر ساعتين قبل أن يجد مركبة مكتظة بالركاب.
وبمجرد انتهاء اليوم، تعود التحديات، إذ يقول عمرو: "هذه المساحة متاحة لبضع ساعات فقط، وبقية الأسبوع نعود للمعاناة مع الكهرباء والإنترنت والاحتياجات الأساسية، لا يمكننا حتى طباعة المواد الدراسية أو الوصول للمحاضرات الإلكترونية بشكل صحيح".
رغم كل شيء، تتجلى مشاهد الصمود، فداخل القاعات، تُستأنف النقاشات وتُدون الملاحظات، ويعود النبض الأكاديمي ولو مؤقتا.
قال الدكتور عصام مغاري، الأستاذ في كلية فلسطين للتمريض: "بالنسبة للتعليم الطبي، فإن التعلم الوجاهي ضروري، ومن الصعب جدا أن يعوض التعليم الإلكتروني التفاعل العملي".
واضاف: "بعد كل ما مروا به، مجرد قدرتهم على التجمع والتفاعل والتعلم معا يعيد لهم شيئا حيويا، نحن مسؤولون عن دعمهم لأنهم غدا سيكونون في مكاننا".
بالنسبة لمريم، هذا الإصرار دافعه شخصي وعميق، مبينة أنها تريد الاستمرار، وأن ابنة عمها كانت ممرضة وقد استشهدت مع عائلتها في غارة إسرائيلية، وأنها تتذكرها دوما لتذكر نفسها بالسبب الذي يجعلها تتمسك بهذا الطريق: لمداواة الآخرين وخدمة شعبها.
تخدم المدينة الجامعية اليوم مئات الطلاب، لكن الآلاف غيرهم لا يزالون يفتقرون لمثل هذه المساحات، وتقول منظمة "علماء بلا حدود" إن هذه المبادرة ليست سوى البداية لمهمة لا يزال الحصار الإسرائيلي يكبلها.
ويختم أبو دقة بالقول: "عملنا مستمر، لقد أنشأنا عشرات المدارس المؤقتة وهذه المدينة الجامعية، لكن الاحتياج أكبر بكثير، هذا ما استطعنا بناءه تحت الحصار، فتخيلوا ما يمكن فعله إذا سُمح بدخول الموارد اللازمة حقا".







