السلع الفاخرة في مهب الريح.. خسائر بمليارات الدولارات وتغيرات في خريطة السوق

لم تقتصر تداعيات التوترات الجيوسياسية على قطاعات الطاقة والتكنولوجيا فحسب، بل امتدت لتشمل سوق السلع الفاخرة، الذي يُعد من بين الأكثر حساسية للتحولات العالمية.
وكشفت بيانات شبكة "سي ان بي سي" عن تراجع ملحوظ في أسهم الشركات الكبرى العاملة في هذا القطاع، حيث انخفضت بنسبة 15% أو أكثر، مما يعكس حجم الصدمة التي تلقاها القطاع.
وأظهرت التطورات الأخيرة الأهمية المتزايدة لمنطقة الشرق الأوسط في تحديد مسار الطلب العالمي على المنتجات الفاخرة، خاصة مع تنامي دور المنطقة كمركز للثروات المرتفعة، حيث سجلت أسرع معدلات النمو في العالم خلال العام الماضي، بنسبة تراوحت بين 6% و8%.
وتشهد سوق السلع الفاخرة العالمية توسعا مستمرا، مدفوعة بالطلب المتزايد على العلامات التجارية العريقة وتطور القنوات الرقمية، مما يعزز ديناميكية القطاع على مستوى العالم.
وبحسب شركة "موردور إنتليجانس"، بلغ حجم السوق نحو 464.1 مليار دولار عام 2025، مع توقعات بارتفاع الإيرادات إلى 489.37 مليار دولار في 2026، وفقا لبيانات منصة "ستاتيستا"، مسجلا معدل نمو سنوي مركب يبلغ 2.69% في الفترة بين 2026 و2030.
ويعتبر قطاع الساعات والمجوهرات الفاخرة الأكبر ضمن هذه السوق، حيث يقدر حجمه بنحو 165.48 مليار دولار عام 2026، في حين يتوقع أن تستحوذ المبيعات عبر الإنترنت على نحو 15.1% من إجمالي الإيرادات، مما يعكس التحول الرقمي المتسارع في هذا القطاع.
ويستحوذ الشرق الأوسط حاليا على نحو 6% من مبيعات السلع الفاخرة العالمية، بينما تبلغ حصة اليابان نحو 9%، وفقا لتقديرات "سي ان بي سي".
وتبرز المنطقة كأحد أسرع الأسواق نموا في العالم، في وقت يشهد فيه الطلب العالمي تباطؤا نسبيا، وهو ما يعكس تحولا في مراكز الثقل داخل السوق، مدفوعا بتوسع التجارة الإلكترونية وتنامي حضور العلامات الفاخرة في أسواق التجارة الإلكترونية.
وتظل أوروبا أكبر سوق عالمية للسلع الفاخرة الشخصية، على الرغم من تسجيلها انكماشا طفيفا في 2025، حيث تراجعت بنسبة تتراوح بين 1% و3% ووصلت إلى نحو 108 مليارات يورو، وفقا لشركة "بين أند كومباني"، في ظل تباطؤ الطلب وتغير أنماط الإنفاق السياحي.
وفي المقابل، حافظت الأميركتان على موقعهما باعتبارهما ثاني أكبر منطقة من حيث المبيعات، مسجلتين نحو 101 مليار يورو، مع قدر أكبر من الاستقرار النسبي، بسبب إعادة توجيه الإنفاق المحلي نتيجة ضعف الدولار.
أما الصين، فقد واصلت تسجيل تراجع إضافي بنسبة تتراوح بين 6% و8% مقارنة بعام 2024، وإن كان بوتيرة أقل حدة، مع احتفاظها بالمركز الثالث عالميا، كما شهدت اليابان تطورا ملحوظا عقب الأداء القياسي الذي حققته في العام السابق.
وفي الشرق الأوسط، تبرز دبي كمحرك رئيسي للنمو، حيث تمثل نحو 80% من حجم السوق في دولة الإمارات، التي تستحوذ بدورها على أكثر من نصف نمو القطاع في المنطقة، وفقا لتقديرات "مورغان ستانلي"، كما تواصل السعودية ترسيخ موقعها كسوق واعدة ذات إمكانات توسع كبيرة.
وتظهر التطورات الأخيرة أن تأثير التوترات الجيوسياسية على قطاع السلع الفاخرة يتجاوز مجرد تراجع الطلب، ليمتد ليشمل بنية السوق وسلاسل الإمداد على حد سواء.
فقد انخفضت أسهم شركات كبرى مثل "ال في ام اتش" و"هيرمس" بنحو 16% و20% على التوالي في مارس/آذار الماضي، بينما تراجع سهم "فيراري" بنحو 15%، مع إعلان الشركة تعليق تسليم السيارات إلى الشرق الأوسط.
كما اتجهت شركات أخرى مثل "بنتلي" و"مازيراتي" إلى اتخاذ خطوات مماثلة بفعل المخاطر الأمنية واللوجستية، في ظل اضطراب مسارات الشحن وارتفاع تكاليف النقل.
وفي هذا السياق، قال فرانك ستيفن واليسر، الرئيس التنفيذي لشركة بنتلي، إنه "من المؤكد أن الناس في الشرق الأوسط لديهم أولويات أخرى حاليا غير البحث عن سيارة جديدة".
وبسبب التوترات الجيوسياسية، أدى إغلاق بعض الممرات المائية إلى تعطيل حركة الشحن بشكل واسع، مما انعكس مباشرة على سوق السيارات الفاخرة.
وتكدست شحنات سيارات، بينها لامبورغيني وفيراري، في موانئ مثل سريلانكا والصين، بعد تعذر وصول السفن إلى دبي، التي تمثل مركزا رئيسيا لإعادة التوزيع في المنطقة.
وأشار أحد المصدرين في اليابان إلى أن شحنة تضم أكثر من 500 مركبة بقيت عالقة في البحر أكثر من عشرة أيام قبل أن تتمكن من الرسو، نتيجة الازدحام الناجم عن تحويل مسارات الشحن.
ويبرز هذا الواقع هشاشة سلاسل الإمداد، خاصة أن الإمارات وحدها تستحوذ على نحو 15% من صادرات اليابان من السيارات المستعملة الفاخرة، ضمن تجارة تبلغ قيمتها نحو 19 مليار دولار سنويا بالتعاون مع كوريا الجنوبية.
وأدت هذه التطورات إلى محو ما يقرب من 100 مليار دولار من القيمة السوقية لشركات السلع الفاخرة الكبرى، إذ خسرت "ال في ام اتش" و"هيرمس" وحدهما أكثر من 40 مليار دولار، وفقا لـ"سي ان بي سي".
ولا يقتصر التأثير على الشركات الكبرى، بل يمتد إلى قطاع التجزئة، إذ يشير عاملون في السوق إلى تراجع ملحوظ في الطلب.
وقال حمزة الفايد، مساعد مدير محلات "زينيا" في الأردن، إن القطاع تأثر بشدة نتيجة تعطل الشحن وارتفاع تكاليف النقل وتراجع حركة السفر، مما أدى إلى تأخر وصول البضائع وارتفاع أسعارها.
كما أشار إلى تراجع الإقبال على الشراء في ظل حالة الحذر لدى المستهلكين، إضافة إلى انخفاض أعداد السياح الذين يمثلون شريحة أساسية من عملاء هذا القطاع.
من جانبها، أكدت أسيل صوان، مستشارة التجميل في مجموعة "فافا فووم"، أن المبيعات شهدت تراجعا واضحا نتيجة ارتفاع الأسعار وتعطل الإمدادات، مشيرة إلى أن توقف حركة الطيران وارتفاع تكاليف الشحن انعكسا مباشرة على السوق.
تكشف تطورات السوق عن مفارقة لافتة، فعلى الرغم من أن قطاع السلع الفاخرة يقترب حجمه من نصف تريليون دولار، فإنه يظل شديد الحساسية للتوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة مثل الشرق الأوسط التي تمثل عقدة حيوية في الاقتصاد العالمي.
ولا يرتبط هذا التأثر فقط بتراجع الطلب، بل أيضا باضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن، وتبدل أولويات المستهلكين، مما يجعل القطاع عرضة لصدمات تتجاوز في تأثيرها حدود الأزمات التقليدية.







