صدمة بسوق السيارات المصري: هل يبتلع "الاوفر برايس" حلم الشراء؟

مع تصاعد وتيرة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، عاد كابوس "الأوفر برايس" ليطل برأسه من جديد في سوق السيارات المصرية، مخلفا حالة من الارتباك الشديد، ومقوضا آمال آلاف المواطنين في امتلاك سيارة جديدة.
هذه الظاهرة التي كانت قد بدأت في الانحسار نسبيا، عادت لتتوغل بشراسة مع توسع دائرة الصراع الإقليمي وتفاقم المواجهات العسكرية.
فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت أسعار السيارات في مصر مجددا، فبمجرد اضطراب الأوضاع وما تبعها من ظلال ثقيلة على سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، سارع بعض الموزعين والتجار إلى فرض مبالغ إضافية ضخمة فوق السعر الرسمي، وهو ما بات يعرف بضريبة الأمر الواقع أو "الأوفر برايس".
والمثير للقلق أن هذه الظاهرة لم تعد حكرا على الطرازات الفاخرة، بل امتدت لتلتهم فئة السيارات الاقتصادية التي تمثل الملاذ الأخير للطبقة المتوسطة.
ففي الوقت الذي انتظر فيه المواطن المصري استقرار سعر الصرف لتحقيق حلم الاقتناء، فوجئ بعودة المبالغ الإضافية حتى على السيارات الاعتمادية الصغيرة، مما حول التفكير في الشراء إلى عبء مادي ونفسي لا يطاق.
ويكمن جوهر الأزمة في اتساع الفجوة بين حجم الاستيراد الفعلي والطلب المحلي المتزايد، حيث تسببت التوترات العسكرية في تراجع حاد في حركة الاستيراد، نتيجة توقف بعض خطوط الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين، وتغيير مسارات الشحن التي اتخذت طرقا أطول وأكثر تكلفة بعيدا عن مناطق الصراع، إضافة إلى نقص السيولة الدولارية، الأمر الذي تزامن مع رغبة شرائية محمومة مدفوعة بمخاوف المواطنين من موجات غلاء قادمة.
هذه العوامل جعلت "المخزون" أقوى ورقة ضغط في يد التاجر، فعندما يتجاوز الطلب حجم المعروض بفارق شاسع، تظهر الممارسات الاحتكارية التي تضع المشتري أمام خيارين هما: القبول بالزيادة غير الرسمية، أو التخلي نهائيا عن حلم امتلاك سيارة.
وما زاد المشهد تعقيدا هو لجوء البعض للسيارة كوعاء ادخاري ومخزن للقيمة في ظل التقلبات الاقتصادية المتلاحقة، مما أشعل فتيل الأسعار بشكل غير مسبوق.
في تصريحات للجزيرة نت، حذر أسامة أبو المجد، رئيس رابطة تجار السيارات في مصر، من استمرار الارتفاع غير المسبوق في أسعار السيارات، مؤكدا أنه وبعد مرور شهر من اندلاع الحرب، سُجلت زيادات فعلية تتراوح ما بين 10 إلى 15%، وشدد على أن المؤشرات الراهنة لا توحي بتوقف هذه الارتفاعات عند هذا الحد.
ووجه أبو المجد نصيحة مباشرة للمستهلكين قائلا: "رسالتي لكل من يحتاج سيارة في الوقت الحالي: اشتر فورا ولا تتردد، سواء كانت السيارة جديدة أو مستعملة، فالانتظار ليس في مصلحة المشتري، أما من يمتلك سيارة مستعملة، فعليه أن يعي جيدا قيمة ما يملك، ويحرص على إجراء الصيانة الدورية اللازمة والحفاظ عليها، لأننا نتوقع تأثرا ملحوظا في وفرة قطع الغيار بمنطقة الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة".
وأرجع رئيس رابطة تجار السيارات أسباب الارتفاع المستمر إلى عدة أزمات عالمية تتمثل في أزمة الطاقة العالمية، والزيادة غير العادية في تكاليف الشحن، وارتفاع أقساط التأمين، بالإضافة إلى المشاكل المعقدة في سلاسل الإمداد والتصنيع المرتبطة بذلك.
ويتوقع أبو المجد موجة غلاء جديدة قادمة، مؤكدا أن نسبة الزيادة المرتقبة في الأسعار ستكون مرتبطة ارتباطا وثيقا بمدة استمرار الحرب والأزمة الحالية، وهو ما يجعل ضبابية المشهد هي سيد الموقف حتى الآن.
بدوره، طمأن الخبير التأميني مصطفى الصاوي الجمهور قائلا، إن ارتفاع الأسعار مؤقت وليس معمما على كل الشركات أو الماركات، بل يقتصر على نسبة قليلة، وهي مرحلة مؤقتة بامتياز.
وحول المسبب الرئيسي لعودة هذه الممارسات، أرجع الصاوي في تصريحات للجزيرة نت الأسباب إلى عوامل خارجية تماما عن السوق المحلية، مؤكدا أن التأثير المباشر للتوترات الجيوسياسية هو ما أدى إلى ارتفاع مفاجئ في قيمة الدولار بنسبة تتراوح بين 10 إلى 15%.
وأوضح الخبير التأميني، الآلية التي تربط ارتفاع سعر الصرف بظاهرة "الأوفر برايس" قائلا "لنضرب مثالا بسيطا، بتاجر سيارات كان بحوزته 10 سيارات اشتراها بسعر 48 جنيها للدولار، وعندما جاء وقت تسعيرها في السوق الرسمي الجديد مع انخفاض قيمة الجنيه، وجد التاجر نفسه مضطرا لتعويض هذا الفارق.. ببساطة، الأوفر برايس في هذه الحالة هو محاولة لتحقيق سعر يوازي القيمة الحقيقية للعملة، وليس مجرد جشع من الوكلاء، وهي ممارسة ستنتهي بانتهاء هذه المرحلة الاستثنائية".
وبسؤال الصاوي عن النصيحة التي يقدمها للمواطن الذي يخطط لشراء سيارة اليوم، كان رده حاسما بضرورة ترشيد الاستهلاك وعدم الانسياق وراء حالة الهلع الشرائية، قائلا "نصيحتي لكل من يريد الشراء الآن: إن كانت حاجتك للسيارة ليست ضرورية أو ملحة جدا، فلا تشتر الآن وانتظر قليلا".
ودلل على نصيحته بتحليل دقيق للسوق "سوق المستعمل نفسه ارتفع بشكل غير مبرر، لكن تذكروا أن الأسعار ليست في صعود دائم؛ فعندما ينخفض الطلب، ستنخفض الأسعار حتما، ومعها سيختفي الأوفر برايس تلقائيا".
واستشهد الخبير التأميني بتجارب سابقة قائلا: "شاهدنا قبل الحرب سيارات كان ثمنها مليون و400 ألف جنيه، تراجع سعرها بين يوم وليلة إلى مليون و58 ألف جنيه، أي بخسارة تتجاوز 25% من قيمتها، بعض الناس اشتروا في قمة السعر وخسروا مبالغ ضخمة في غمضة عين؛ لذا لا تخشوا من ارتفاع الأسعار غدًا، فالتجربة أثبتت أن السيارة التي تؤجل شراءها اليوم قد تصبح أرخص بكثير غدًا".
واختتم الصاوي تصريحه برسالة طمأنة للمستهلكين، مؤكدًا أن الضغوط الحالية، سواء في أسعار الوقود أو تقلبات السوق، هي عوامل مؤقتة مرتبطة بالتوترات الإقليمية، داعيًا الجميع إلى التريث وعدم الانجراف وراء ممارسات "الأوفر برايس"، آملا في انفراجة قريبة تعيد الاستقرار إلى الأسواق.







