تركيا تعزز دورها في الناتو وسط تحولات استراتيجية عالمية

في خطوة تعكس تحولا استراتيجيا، كشفت تركيا عن توجهات لتعزيز موقعها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك في ظل التغيرات التي يشهدها الحلف والتحديات التي تواجهه.
وتشمل هذه الخطط إنشاء مركز قيادة متعدد الجنسيات للقوات البرية في أضنة، جنوب تركيا، حيث تقع قاعدة إنجرليك الجوية والفيلق السادس للجيش التركي، وبينت مصادر مطلعة أن أحد جنرالات الجيش التركي سيتولى قيادة المركز الجديد، الذي بدأت خطط إنشائه في عام 2023، ويجري العمل أيضا على إنشاء قيادة بحرية مع قوة مهام مشتركة للبحر الأسود.
واوضحت مصادر عسكرية تركية أن أنقرة ستتولى تنسيق القوات البرية التابعة للناتو وقيادة العمليات في البحر الأسود في حال نشوب أزمات.
واكدت وزارة الدفاع التركية أن إنشاء قيادة العمليات البحرية في البحر الأسود لن يؤثر على اتفاقية مونترو لعام 1936، التي تنظم حركة السفن في مضيقي البسفور والدردنيل، وشددت على أنه لن يسمح بأي انحراف عن المبادئ التي تحكم عبور المضائق.
وانضمت تركيا إلى الناتو في 18 فبراير (شباط) 1952، بعد تأسيسه بنحو 3 سنوات في 4 أبريل (نيسان) 1949، وهو التاريخ ذاته الذي انضمت فيه اليونان.
ومع الاحتفال بالذكرى ال77 لتأسيسه، يواجه الناتو تحديات أمنية وهيكلية، وأزمة هوية نابعة من تغير نهج الولايات المتحدة، المؤسس والمحرك الرئيس للحلف.
ويرى محللون أن التوجهات الامريكية الحالية تقوض أسس الناتو الاستراتيجية والنفسية.
وبحسب المحلل السياسي التركي محمد أوغوتشو، كشفت العمليات العسكرية الأخيرة عن خلل في عمل الناتو، وبين أن أميركا توقعت دعما من حلفائها، بينما أعلنت أوروبا أن العملية لم تكن تابعة للحلف، لأن المادة الخامسة من ميثاقه لا تفعل إلا في حال وقوع هجوم على أحد أعضائه.
ويكمن جوهر الأزمة الحالية في أن واشنطن تنظر إلى الناتو على أنه آلية دعم تلقائية، بينما تعتبره أوروبا منصة للدفاع الجماعي والتشاور، وتقول إن قرار الحرب لم يتخذ بالتشاور مع الحلفاء.
ويعتمد الناتو بشكل كبير على القدرات العسكرية والتكنولوجية والاستراتيجية للولايات المتحدة، وسيصل إجمالي إنفاقه الدفاعي خلال العام الحالي إلى 1.3 تريليون دولار، تغطي أميركا نحو 65 في المائة منها، ولا يقتصر الأمر على المساهمة المالية، بل يشمل أيضا التفوق العملياتي.
واوضح أوغوتشو أنه لا يمكن لأوروبا أن تحل محل أميركا في مجالات حيوية، من الاستخبارات وأنظمة الأقمار الصناعية إلى النقل الاستراتيجي والتزود بالوقود جوا، ومن الردع النووي إلى أنظمة الأسلحة المتقدمة، وقادة هياكل الناتو في أوروبا أميركيون، ما يعني أنه نظام يعمل تحت القيادة العسكرية الأميركية.
ولفت أوغوتشو إلى أن التاريخ أثبت أهمية الحلف، وأن التهديدات الجديدة زادت من أهميته، معتبرا أنه سيعيد تعريف نفسه أو سيفقد فاعليته تدريجيا، وأن الأمر لا يقتصر على التوجهات الامريكية، فموازين القوى العالمية تتغير، وتتنوع التهديدات وتنهار الافتراضات.
وأشار إلى أن هذا الوضع يشكل فرصة ومخاطرة لتركيا، فلم تعد قمة الناتو، المقرر عقدها في أنقرة في يوليو المقبل، اجتماعا عاديا، بل قد تشكل نقطة تحول استراتيجية.
وراى أن التواصل المباشر بين والرئيس التركي رجب طيب اردوغان يعطي أنقرة قدرة كبيرة على الوساطة، وتعد تركيا من بين الجهات الفاعلة القادرة على تخفيف حدة أزمة الثقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، والأكثر خبرة في إدارة المخاطر على الجناح الجنوبي للناتو.
ومع ذلك يبدو أن هناك تيارا مناهضا لاستمرار عضوية تركيا في الناتو والاحتفاظ بقواعد له على أراضيها.
وبرز هذا التيار في مسيرات نظمتها أحزاب واتحادات وجمعيات ونقابات عمالية يسارية في أنقرة وإسطنبول وإزمير وقرب قاعدة كورجيك للرادارات التابعة للناتو في ولاية مالاطيا (شرق تركيا) وقرب قاعدة إنجرليك في أضنة (جنوب)، للمطالبة بانسحاب تركيا من الحلف الغربي وإغلاق القواعد الأجنبية في البلاد.
وتوجهت مسيرة، مساء السبت، إلى مبنى السفارة الأميركية في أنقرة بمناسبة ذكرى تأسيس الحلف.
ورفع المشاركون في المسيرات المختلفة في أنحاء تركيا لافتات ورددوا شعارات تطالب بإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية، والانسحاب من (الناتو)، وإنهاء التعاون مع الهياكل الامبريالية.
وكانت 27 من الأحزاب والمنظمات والجمعيات والاتحادات اليسارية، التي شاركت في المسيرات، أعلنت في 28 فبراير الماضي تشكيل اتحاد مناهض لقمة حلف الاطلسي المقرر عقدها في أنقرة في يوليو المقبل.







