كيف تحمي تركيزك من فخ منصات المراسلة وتنجو في العمل

في السنوات الاخيرة ومع تحول الشركات الى ما يسمى بـ "المكاتب الافتراضية"، اصبحت تطبيقات المراسلة الفورية هي اداة التواصل الرئيسية بين الموظفين والشركات، حاملة وعودا بإنتاجية عالية وتواصل دائم.
لكن وراء هذه الواجهات اللامعة والتنبيهات المستمرة، يكمن خطر التشتت الذي يؤثر سلبا على بيئة العمل، فالمشكلة لم تعد في طبيعة العمل نفسه، بل في الضوضاء المحيطة به، حيث يجد الموظف نفسه في حالة استنفار دائم، يلاحق الاشعارات بدلا من انجاز المهام، ما حول هذه المنصات الى فخ يهدد التركيز.
وتؤكد الدراسات ان التشتت الرقمي له تبعات تتجاوز الجانب المعنوي، مسببا خسائر مادية ومعرفية كبيرة، وتشير دراسة لجامعة ارفين بكاليفورنيا الى ان الموظف يحتاج الى 23 دقيقة و15 ثانية في المتوسط لاستعادة تركيزه بعد مقاطعة ناتجة عن رسالة او تنبيه.
فيما كشفت دراسة لمعهد الطب النفسي في جامعة لندن ان التشتت الدائم الناتج عن الرسائل الالكترونية والمكالمات يؤدي الى انخفاض مؤقت في معدل ذكاء الموظف بمقدار 10 نقاط، وهو ما يعادل ضعف تاثير الحرمان من النوم.
ووفقا لتقرير صادر عن معهد الانتاجية البريطاني، يتحقق الموظف من تطبيقات المراسلة او البريد الالكتروني كل 6 دقائق تقريبا، ما يمنع الدخول في حالة التدفق.
وتعتمد هذه المنصات على منح الدماغ جرعات من الدوبامين عند الرد السريع على الاستفسارات البسيطة، ما يخلق شعورا وهميا بالانجاز، اذ يشعر الموظف بانه منتج بينما هو يقوم بعمل سطحي لا يتطلب مهارة عالية.
كما اظهرت دراسة من جامعة كولومبيا البريطانية ان الاتصال الدائم يرفع مستويات هرمون الكورتيزول نتيجة القلق المستمر من فوات معلومة او التاخر في الرد.
عند تحليل الفوارق في النتائج بين بيئة المراسلة المفتوحة والبيئة المنضبطة، يظهر تباين كبير، فبيئات المراسلة المستمرة تسجل ارتفاعا في معدلات الاخطاء المهنية بنسبة تصل الى 20% نتيجة التشتت، بينما تنجح بيئات العمل العميق في خفض هذه الاخطاء بفضل التدقيق المستمر.
اما من حيث القدرة الابداعية، فالعقل في البيئة المشتتة يظل مشغولا بالردود اللحظية، ما يجعله عاجزا عن ربط الافكار المعقدة، عكس بيئة التركيز التي تمنح العقل المساحة اللازمة للابتكار.
وينعكس هذا بوضوح على الحالة النفسية، اذ تؤدي المراسلات المستمرة الى حالة من الاستنزاف والتوتر الرقمي، بينما يوفر العمل المركز شعورا حقيقيا بالرضا النفسي والانجاز النوعي.
بناء على ابحاث كال نيوبورت، البروفيسور في علوم الحاسوب بجامعة جورج تاون، تتطلب استعادة التركيز خطوات تشمل:
- تحديد ساعات صمت رقمي ومنع المراسلات في فترات الذروة.
- تصنيف قنوات التواصل بحيث تستخدم المراسلة الفورية للحالات الطارئة فقط.
- تشجيع الموظفين على ايقاف الاشعارات التلقائية لاستعادة السيطرة على جدولهم الزمني.
يقول الخبراء ان المعركة ضد الاتصال الدائم هي معركة من اجل السيطرة الذهنية، وان جودة العمل تقاس بمدى القدرة على الابتعاد عن سطح الرسائل المزدحم.
ويؤكد مختصون في علم النفس ان السمعة المهنية لا تعتمد على سرعة الرد، بل على القيمة الفريدة والحلول المبتكرة التي تقدم عندما يمتلك الموظف الشجاعة لاغلاق هواتفه والتركيز، فالتركيز اصبح العملة الجديدة في اقتصاد المعرفة، ومن لا يستطيع حماية تركيزه، لن يستطيع حماية مستقبله المهني.







