الشمال يتربع على عرش السعادة: ما سر رضا فنلندا والدنمارك؟

في مشهد قد يثير الدهشة، تتصدر دول الشمال البارد، وعلى رأسها فنلندا والدنمارك وآيسلندا، قائمة الدول الأكثر سعادة في العالم، وفقا لتقرير السعادة العالمي، وتحديدا فنلندا التي حافظت على مركزها الأول للعام التاسع على التوالي.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لهذه البلدان، التي تغيب فيها الشمس لأشهر طويلة وتنخفض فيها درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، أن تحقق هذا المستوى من السعادة والرضا؟
كشفت دراسات أن السر لا يكمن بالضرورة في الثراء المادي، بل في عوامل أخرى أكثر عمقا، تتعلق بالثقة والأمان الاجتماعي، وبين تقرير السعادة العالمي التابع للأمم المتحدة أن الفنلنديين يتمتعون بمستوى عال من الثقة في جيرانهم ومؤسساتهم، ما يزيل الكثير من القلق والتوتر من حياتهم اليومية.
واظهرت استطلاعات راي انه اذا فقد شخص محفظته في الشارع، فهناك احتمال كبير أن تعود إليه كاملة، كما أن الأطفال يذهبون إلى مدارسهم سيرا على الأقدام دون خوف، وهو ما يعكس مستوى الأمان الذي ينعم به المجتمع.
واضافت الدراسات ان السعادة في فنلندا أشبه ما تكون بتصميم مجتمعي يهدف إلى توفير الأمن الاجتماعي والاقتصادي للأفراد، ما يتيح لهم التركيز على جودة حياتهم اليومية بدلا من القلق بشأن المستقبل، وعلى عكس ما هو شائع، يعتبر العمل لساعات طويلة علامة على سوء إدارة الوقت وليس على الاجتهاد.
وبينت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الموظفين في دول الشمال يتمتعون بأطول الإجازات مدفوعة الأجر وبأفضل أنظمة رعاية الأطفال في العالم.
واشار الخبراء الى انه في الدنمارك، يتردد مصطلح "هيوغا" على كل لسان، وهو ليس مجرد كلمة، بل هو حالة شعورية تعني خلق جو دافئ والاستمتاع بالأشياء الجيدة في الحياة مع الأشخاص الطيبين.
ووفقا لما ذكره مايك ويكينغ، مدير معهد أبحاث السعادة في كوبنهاغن، يعوض الدنماركيون قسوة الطقس بالدفء الاجتماعي، فـ "هيوغا" هي الترياق للتوتر، وهي تدفعك إلى العيش في اللحظة الحالية والامتنان لما تملكه الآن، واكد ويكينغ ان الدنماركيين هم من أكثر شعوب العالم استهلاكا للشموع، ليس لنقص الكهرباء، بل لأن الإضاءة الدافئة ركن أساسي في صحتهم النفسية.
وعلى النقيض من هيوغا الدنماركية، تأتي الفلسفة الفنلندية المعروفة بـ "سيسو"، وهي مزيج من الشجاعة والمرونة والإصرار الذي يظهر حين يبدو الأمل وكأنه انتهى، وبينت دراسة نشرها موقع (Visit Finland) ان الفنلنديين يطبقون "سيسو" في حياتهم اليومية عبر ممارسات مثل السباحة في المياه المتجمدة، اعتقادا منهم أن صدمة البرد يعقبها استرخاء عميق يفرز هرمونات السعادة ويدرب العقل على تحمل صعوبات الحياة.
وفي سياق متصل اشارت صحيفة الغارديان البريطانية الى انه في آيسلندا وفنلندا، هناك مبدأ مجتمعي يعرف بـ "حق كل رجل"، وهو يمنح أي شخص حرية التجول في الغابات والتخييم وقطف الثمار البرية والفطر، ما دام لا يسبب إزعاجا لصاحب الأرض أو ضررا للبيئة، واوضحت الصحيفة ان هذا الحق ليس مجرد تسهيل للتنزه، بل إقرار بأن الطبيعة ملكية عامة للروح البشرية.
وكشفت إحصاءات رسمية نشرها المعهد الفنلندي للموارد الطبيعية إلى أن نحو 70% من مساحة فنلندا مغطاة بالغابات، وهو ما يجعل الطبيعة على بعد خطوات من باب كل منزل، ويخلق جيلا يتمتع بمرونة نفسية عالية وقدرة فريدة على مواجهة تحديات الحياة العصرية.
وفي النرويج والدنمارك، يسود سر اجتماعي يسمى "قانون يانتيه"، وهو مجموعة قواعد غير مكتوبة تعزز التواضع، وتمنع التباهي والتفاخر، وبين مقال في "بي بي سي وورك لايف" أن هذا القانون هو الترياق لمرض المقارنة الاجتماعية الذي ينهش المجتمعات الحديثة، واشار المقال انه حين يختفي الاستعراض الطبقي، تتراجع الغيرة والحقد الاجتماعي، ليحل مكانهما قدر أكبر من الرضا النفسي.
وختاما تظهر تجربة دول الشمال أن السعادة هي قرار فردي وتصميم مجتمعي في آن واحد، فالمجتمع يوفر الأمان والثقة، لكن الفرد يتبنى الهيوغا والسيسو، فالسعادة ليست غيابا للمشكلات، بل امتلاك كتالوج ذهني للتعامل معها.







