تقلبات الذهب: هل فقد المعدن بريقه كملاذ آمن في زمن الأزمات؟

في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، سجل الذهب أداءً مفاجئاً، مخالفا التوقعات الاقتصادية، إذ سجل أكبر تراجع شهري له منذ أكتوبر 2008، مسجلا انخفاضا تجاوز 14 في المئة خلال شهر مارس، وهو أكبر تراجع شهري منذ أكثر من 17 عاما، الأمر الذي أثار تساؤلات حول ما إذا كان المعدن النفيس قد تخلى عن دوره التقليدي كملاذ آمن في أوقات الأزمات، أم أن هناك تحولات أعمق في سلوك المستثمرين والسياسات النقدية بدأت تعيد تشكيل خريطة الأصول الآمنة.
وقد تزامن هذا المشهد غير المعتاد مع ارتفاع ملحوظ في قيمة الدولار الأمريكي بنسبة 2 في المئة منذ بداية الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر شهر فبراير الماضي، على الرغم من أن المعدن الأسود حافظ على مكاسب تقارب 5 في المئة منذ بداية الربع الأول، لكن ما الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه المعادلة الجديدة؟
ويرى رئيس قسم خدمات الاستثمار في بنك يونيون بانكير بريفيه، فهد إقبال، أن الضغوط التي تعرض لها الذهب تعود إلى عاملين رئيسيين، في مقدمتها اتجاه المستثمرين خلال فترات الاضطراب إلى تسييل الأصول التي حققت أداءً قوياً.
واوضح أن الذهب، الذي كان من بين أفضل الأصول أداءً خلال العامين الماضيين، أصبح هدفاً طبيعياً لعمليات البيع بهدف تعويض الخسائر أو تلبية متطلبات الهامش، مشيراً إلى أن هذه الديناميكية ليست جديدة، إذ تكررت في أزمات سابقة مثل عامي 2008 و2020.
اما العامل الثاني، حسب إقبال، فيتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة، والذي عزز توقعات التضخم، ودفع الأسواق إلى تسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، ما شكل ضغطاً مباشراً على الذهب بوصفه أصلاً لا يدر عائداً.
من جهته، ارجع الرئيس الأول لإدارة الأصول في أرباح المالية، محمد الفراج، التراجع إلى تضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية، في مقدمتها الارتفاع القوي في عوائد السندات الأميركية التي باتت توفر بديلاً استثمارياً أكثر جاذبية مقارنة بالذهب.
واشار إلى أن توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي عززت من قوة الدولار، ما جعل الذهب أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ودفع المستثمرين إلى البيع لجني الأرباح بعد موجات الصعود السابقة.
واوضح الفراج أن هذا الهبوط يمكن اعتباره تصحيحاً صحياً وطبيعياً ضمن دورة السوق، خصوصاً بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها الذهب في الأعوام الماضية، لافتاً إلى أن التراجعات التي تتراوح بين 10 و20 في المئة غالباً ما تسهم في إعادة التوازن بين العرض والطلب.
بدوره، قال رئيس تداول المبيعات العالمية في شركة إي دي إس إس، نيل كين، إن أحد أبرز أسباب التراجع يتمثل في التحول المفاجئ في توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة، وأوضح أن الأسواق انتقلت من ترقب خفض الفائدة إلى تسعير سلسلة من الزيادات المحتملة، ما غير بشكل جذري من جاذبية الذهب، مضيفاً أن هذا العامل، إلى جانب قوة الدولار، شكل ضغطاً مزدوجاً على المعدن النفيس.
واشار كين إلى أن المستثمرين يلجأون في أوقات تراجع الأصول عالية المخاطر إلى تسييل مراكزهم الرابحة، بما في ذلك الذهب، لتغطية خسائرهم في استثمارات أخرى، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الهبوط.
رغم أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تدعم الذهب، فإن الأسواق بدت أقل تفاعلاً مع التطورات الأخيرة، وهو ما يثير تساؤلات حول تغير سلوكها.
وفي هذا السياق، يرى كين أن الأسواق أصبحت أقل انفعالاً بالتصريحات السياسية المتضاربة، ولكنها لا تزال تضع الجيوسياسية في صلب حساباتها، مؤكداً أن أي انفراج دبلوماسي قد يحدث تحركات حادة في مختلف الأصول.
لكن آراء الخبراء حول طبيعة هذا التراجع تباينت، إذ يرى الفراج أنه تصحيح صحي ضمن دورة السوق، في حين يعتبر كين أن ما يحدث قد يتجاوز ذلك، في ظل ما وصفه بـ صدمة تضخمية مستمرة، وضغوط على أسواق الأسهم العالمية، اما إقبال، فيؤكد أن التراجع الحالي لا يعني فقدان الذهب لمكانته كملاذ آمن، بل يعكس ضغوطاً مرتبطة بالسيولة، دون تغيير النظرة الإيجابية طويلة الأجل تجاه المعدن.
رغم الأداء الأخير، يتفق معظم المحللين على أن الذهب لم يفقد دوره التاريخي، ولكنه أصبح أكثر حساسية للمتغيرات النقدية وسلوك المستثمرين، ويشير كين إلى أن الذهب بات في بعض الفترات يتصرف بشكل أقرب إلى الأصول عالية المخاطر، نتيجة المكاسب الكبيرة التي حققها في السنوات الأخيرة، وزيادة نشاط المضاربين في سوق المعادن.
في المقابل، يؤكد إقبال أن الذهب لا يزال يحتفظ بجاذبيته في بيئات الركود التضخمي والتباطؤ الاقتصادي، وهي عوامل لم تختفِ من المشهد العالمي.
على صعيد آخر، يبرز التساؤل حول دور العملات الرقمية، وعلى رأسها البتكوين، كبديل محتمل للذهب في أوقات الأزمات، ويرى الفراج أنه رغم تنامي حضورها، فإنها لا تزال تعاني من تقلبات تحد من قدرتها على منافسة المعدن اللامع الذي يتمتع بسيولة عالية وتاريخ طويل كأداة تحوط.
ويتفق كين مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن العملات الرقمية لا تزال أقرب إلى الأصول المضاربية، ولا توجد مؤشرات حالياً على قدرتها على إزاحة الذهب من موقعه في أوقات الأزمات.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى مسار الذهب مرهوناً بعدة عوامل، في مقدمتها توجهات السياسة النقدية الأميركية، وتحركات الدولار، إلى جانب تطورات المشهد الجيوسياسي.
ويرجح المحللون أن أي تراجع في توقعات رفع الفائدة أو حدوث انفراج دبلوماسي قد يمنح الذهب فرصة للتعافي، في حين أن استمرار الضغوط الحالية قد يبقيه تحت الضغط على المدى القصير.







