تداعيات جيوسياسية: أزمة الغاز العالمية تلقي بظلالها على آسيا

تسببت التوترات الجيوسياسية الأخيرة في إحداث تحولات كبيرة في سوق الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، حيث أدت إلى ارتفاع الأسعار واضطراب في الإمدادات، مما أثار مخاوف بشأن مستقبل الطلب، خاصة في الأسواق الآسيوية الحساسة للأسعار.
وقبل الأزمة، توقع المحللون نمواً في المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنسبة تصل إلى 10 في المائة هذا العام، ليصل إلى ما بين 460 و484 مليون طن متري، مع توقعات مماثلة لنمو الطلب.
ولكن مع تصاعد الأحداث، وذكرت تقارير إعلامية عن إغلاق محتمل لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بوحدات التسييل في قطر، مما أدى إلى توقف طاقة إنتاجية كبيرة، قامت عدة شركات استشارية بخفض توقعاتها للإمدادات العالمية.
ويعادل هذا النقص المحتمل مئات الشحنات من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يكفي لتلبية جزء كبير من واردات دول مثل اليابان وبنغلاديش.
وقال لوسيان مولبرغ، المحلل في «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي»، إن أزمة أسعار الغاز قد تدفع بعض الدول إلى إعادة النظر في خططها لنمو الطلب على الغاز، مما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو مقارنة بالتوقعات السابقة.
وتتوقع «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي» انخفاضاً في صادرات قطر والإمارات العربية المتحدة، كما خفضت توقعاتها للإمدادات على المدى الطويل بسبب التأخيرات المحتملة في مشاريع توسعة الغاز.
وفي ظل هذه الظروف، قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بنسبة كبيرة منذ بداية الأزمة، لتصل إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات، وهو ما يتجاوز القدرة الشرائية للعديد من المشترين الآسيويين.
وتتوقع المؤسسات المالية أن تظل الأسعار مرتفعة حتى عام 2027، مما يزيد الضغوط على الدول المستوردة.
وقالت لورا بيج، مديرة «إل إن جي إنسايت» في شركة «كبلر»، إن السوق يعيد توازنه بشكل أساسي من خلال ارتفاع الأسعار وتقليل الطلب في جنوب آسيا.
ويذهب جزء كبير من إمدادات قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا، مما يجعل المشترين الحساسين للأسعار يبحثون عن بدائل أرخص مثل الفحم والغاز المحلي.
وفي باكستان، بدأت الحكومة في اتخاذ تدابير لترشيد استهلاك الطاقة، في حين يشهد الطلب في القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة تراجعاً ملحوظاً.
وقال إقبال أحمد، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «باكستان غاز بورت»، إن هناك انخفاضا ملحوظا في الطلب على الغاز.
وفي الهند، تأثرت أيضاً صناعات البتروكيماويات والسيراميك بارتفاع الأسعار.
وأشار محللون إلى أنه من غير المرجح أن تتمكن الولايات المتحدة، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، من تعويض النقص في الإمدادات، نظراً لأن محطات التصدير الأميركية تعمل بالقرب من طاقتها القصوى ومعظم الكميات مرتبطة بعقود طويلة الأجل.
وقال سيب كينيدي، المحلل المستقل في «إنرجي فلوكس نيوز»، إنه لا توجد طريقة سهلة لتعويض الكميات المفقودة، وأن ذلك يمثل ضربة كبيرة لأمن الطاقة للدول التي تعتمد على هذه الإمدادات.
ويرى خبراء أن الأزمة قد تدفع إلى تسريع التوجه نحو بدائل الطاقة المحلية في آسيا، مما قد يؤدي إلى تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال على المدى الطويل.
وعلى النقيض من ذلك، تبدو الأسواق في شمال آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، أقل تأثراً بالأزمة نظراً لغياب إنتاج محلي كبير أو إمدادات عبر الأنابيب.
وأكدت شركة «جيرا»، أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال في اليابان، أن قطر لا تزال مورداً موثوقاً وأن نهجها التعاقدي لن يتغير.
وقال المسؤول التنفيذي ريوسكي تسوغارو إن منطقة الشرق الأوسط، وقطر على وجه الخصوص، ستستمر في لعب دور مهم في سوق الغاز العالمية.







