دموع غزة في ترند الطفولة: أيتام يجسدون الفقد

في مخيم للنازحين جنوب قطاع غزة، يقف طفل حافي القدمين أمام كاميرا هاتف، يفتح ذراعيه كما في ترند "تركض لي فاتح ايديك".
يتراجع الطفل خطوتين، وينظر إلى الأفق، منتظرا أحدا، لكن لا أحد يأتي، لا يسمع صوت خطوات ولا يرى ظل أب يركض نحوه، يبتسم للحظة، ثم يخفت وجهه ويتمتم: "كان نفسي بابا يحضني في العيد، بس بابا استشهد".
هكذا أعاد أطفال غزة صياغة ترند طفولي بسيط، ليصبح مرآة لفقدانهم، ففي الوقت الذي يركض فيه الآباء نحو أطفالهم في العالم، ويغمرونهم بالضحك والعناق، يقف آلاف الأطفال هنا أمام فراغ ثقيل، يؤدون المشهد ناقصا، أو يكتفون بالمشاهدة دون القدرة على تقليده.
بعضهم يركض نحو أخ أكبر، أو أم أنهكها النزوح، وآخرون يحتضنون الهواء.
في مقاطع متداولة على منصات التواصل، يظهر طفل يصور نفسه وهو يفتح ذراعيه، ثم يخفضهما ببطء عندما لا يجد من يركض نحوه.
وفي مقطع آخر، تنجح طفلة في إعادة إنتاج اللحظة مع والدها داخل خيمة نزوح، في مشهد يبدو بسيطا، لكنه نادر وسط هذا الكم من الفقد.
أما كثيرون، مثل أبناء الشهيد أنس النشار، فلم يكن لديهم خيار سوى الوقوف على الهامش، يشاهدون الترند ويمرون عليه بصمت.
الاغنية التي اطلقها الفنان العراقي زيد الحبيب حملت في كلماتها دفئا عائليا عاديا، لكنها في غزة اكتسبت معنى مختلفا تماما.
لم تعد مجرد دعوة للركض والاحتضان، بل أصبحت اختبارا قاسيا لذاكرة الأطفال، واستدعاء يوميا لغياب لا يمكن تعويضه.
في المخيمات، يعيش هؤلاء الأطفال تفاصيل يومهم بين خيام مهترئة، وطرقات موحلة، ونقص حاد في الغذاء والمياه.
كثير منهم فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، وبعضهم لا يعرف حتى الآن مصير والده أو والدته، في ظل آلاف المفقودين تحت الركام.
لا مدارس منتظمة، ولا مساحات آمنة للعب، فقط محاولات متكررة لسرقة لحظة طفولة وسط واقع قاس.
الترند هنا لم يكن مجرد تقليد، بل مساحة تعبير صامتة عن الحنين، طفل يفتح ذراعيه، لا ليحتضن فقط، بل ليقول إن هذا المكان كان يجب أن يكون مختلفا، إن هناك أبا كان من المفترض أن يركض، أن يضحك، أن يحمل ابنه عاليا، لكن الحرب قطعت هذا المشهد إلى الأبد.
ووفق اخر الاحصائيات، ارتفع عدد الشهداء في قطاع غزة الى نحو 72 الف شهيد، وتجاوز عدد المصابين 172 الف جريح، مع بقاء آلاف المفقودين تحت الأنقاض، خلف هذه الأرقام تقف قصص فردية لا تنتهي، أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وأصبحوا يواجهون العالم بذاكرة مبتورة، وصور لا تكتمل.
في نهاية كل مقطع، تنتهي الموسيقى، ويبقى المشهد معلقا، طفل بذراعين مفتوحتين، ينتظر عناقا لن يأتي، وفي غزة، لا ينتهي الترند عند حدود الشاشة، بل يستمر كحكاية يومية عن غياب الأب، وعن طفولة تحاول أن تركض، لكنها لا تجد من يركض نحوها.







