الصين توازن بين الرقابة المالية والانفتاح لجذب الاستثمار

في تحول لافت تسعى الصين لاعادة رسم سياستها الاقتصادية من خلال دمج ادوات الرقابة المشددة على القطاع المالي مع استراتيجية تهدف الى توسيع افاق الانفتاح الخارجي وذلك في ظل التحديات التي تفرضها وتيرة الاستثمار الاجنبي المتباطئة وتعكس هذه الخطوات التي تشمل تقديم مشروع قانون مالي جديد وتخفيف القيود على الاقتراض الخارجي محاولة دقيقة من جانب بكين لاحداث توازن بين ضمان الاستقرار المالي وتعزيز النمو الاقتصادي في ظل بيئة عالمية تشهد تقلبات مستمرة.
وكشفت بكين عن مشروع قانون جديد يهدف الى تعزيز الرقابة على القطاع المالي وفرض عقوبات اكثر صرامة على الانشطة المخالفة للقانون في خطوة تعكس تصميم السلطات الصينية على مواجهة المخاطر المالية.
وياتي هذا التوجه في اطار جهود مستمرة منذ سنوات للحد من المخاطر النظامية وخاصة في ظل التوسع الكبير الذي تشهده الانشطة المالية غير المنظمة وتراكم الديون في بعض القطاعات.
ويرى صناع القرار في الصين ان تعزيز الاطار القانوني والرقابي اصبح ضرورة ملحة لضمان استقرار النظام المالي خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة من تباطؤ النمو الى ازمة القطاع العقاري وبين ان تشديد العقوبات على المخالفات المالية سيعزز الانضباط في السوق ويقلل من الممارسات عالية المخاطر مما يدعم ثقة المستثمرين على المدى الطويل.
واضاف البنك المركزي الصيني وهيئة تنظيم النقد الاجنبي انه تم رفع سقف الاقتراض الخارجي للشركات المحلية وذلك في خطوة تهدف الى دعم انشطتها عبر الحدود وتسهيل حصولها على التمويل وبين ان هذه القواعد ستدخل حيز التنفيذ قريبا مما يعكس رغبة بكين في تمكين شركاتها من التوسع عالميا وتعزيز قدرتها التنافسية.
ويعكس هذا التوجه ازدواجية واضحة في السياسة الاقتصادية الصينية بين التشديد الداخلي لضبط المخاطر والانفتاح الخارجي لدعم النمو فمن جهة تسعى الحكومة الى منع تراكم الاختلالات المالية ومن جهة اخرى تحاول تحفيز النشاط الاقتصادي عبر تسهيل تدفقات راس المال وتعزيز قدرة الشركات على الاستثمار خارجيا.
واظهرت بيانات وزارة التجارة ان تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر قد انخفضت بنسبة ملحوظة على اساس سنوي خلال الاشهر الاولى من العام مما يعكس استمرار التحديات التي تواجه بيئة الاستثمار في البلاد.
ويعزى هذا التراجع الى عوامل متعددة من بينها التباطؤ الاقتصادي العالمي والتوترات الجيوسياسية اضافة الى المخاوف المتعلقة بالاطار التنظيمي داخل الصين كما ان ضعف الطلب المحلي خاصة في قطاع العقارات يلعب دورا في تقليل جاذبية السوق للمستثمرين الاجانب.
وفي محاولة لمعالجة هذه التحديات تكثف بكين جهودها لتعزيز الثقة لدى المستثمرين الدوليين وفي هذا السياق جاء لقاء وزير التجارة الصيني مع الرئيس التنفيذي لشركة ابل حيث اكد الاخير اهمية السوق الصينية للشركة مشيرا الى تقدير ابل للحوافز الحكومية التي تهدف الى تحفيز الاستهلاك.
ويحمل هذا اللقاء دلالات مهمة اذ يعكس سعي الصين الى الحفاظ على علاقاتها مع الشركات الكبرى متعددة الجنسية التي تعد عنصرا اساسيا في جذب الاستثمار ونقل التكنولوجيا كما يشير الى ان بكين تراهن على تحفيز الاستهلاك المحلي بوصفه احد محركات النمو في المرحلة المقبلة.
واقتصاديا تعكس هذه التطورات مرحلة انتقالية تمر بها الصين حيث تحاول اعادة توجيه نموذجها الاقتصادي من الاعتماد على الاستثمار والصادرات الى التركيز بشكل اكبر على الاستهلاك المحلي والتكنولوجيا المتقدمة وفي هذا الاطار تلعب السياسات المالية والتنظيمية دورا محوريا في تحقيق هذا التحول.







