تخوفات في ليبيا من تأثير الأزمة الإيرانية على جهود السلام

تتصاعد المخاوف في الأوساط السياسية الليبية من تراجع الاهتمام الدولي بأزمة بلادهم، وذلك بسبب التركيز الإقليمي والدولي المتزايد على التوترات الإيرانية وتأثيراتها المحتملة على المنطقة، ويرى البعض أن هذا التحول في الاهتمام قد يؤدي إلى تعميق الجمود السياسي الذي تعيشه ليبيا.
ويرى هاني شنيب، رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية الليبية، أن القرارات الحاسمة بشأن الملف الليبي كانت بالفعل متأخرة في الأجندة الأميركية حتى قبل تصاعد الأحداث الأخيرة، وتوقع أن يتم تأجيل البت في العديد من القضايا المعلقة إلى حين اتضاح نتائج الصراع الحالي وتأثيراته على خريطة المنطقة.
ووصف شنيب المقاربة الأميركية للملف الليبي بأنها ذات مدى طويل، وتركز على تحقيق الاستقرار الاقتصادي كمدخل للتسوية السياسية، وقلل من أهمية ما يتردد عن قيادة مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، لجهود وساطة تهدف إلى تشكيل حكومة موحدة، وقال إن واشنطن تسعى بشكل أساسي إلى تنسيق الجهود بين الأطراف الليبية لحماية مصالحها الاستراتيجية في ليبيا، مع التركيز على ملفات محددة مثل مكافحة الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، والهجرة غير النظامية، وضمان استمرار تدفق النفط.
واوضح شنيب أن واشنطن أدركت منذ فترة صعوبة توحيد مواقف الأطراف الليبية في المدى القريب، نظراً لانعدام الثقة المتبادل بينهم، بما في ذلك اختلاف وجهات النظر حول المؤسسة العسكرية التابعة للطرف الآخر، واعتبر أن هذا الوضع دفع واشنطن إلى التركيز على ملفات محددة يمكن إدارتها، بدلاً من السعي إلى تحقيق تسوية شاملة في الوقت الحالي.
ولفت شنيب إلى أن بعض الليبيين تأثروا بما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي حول لقاءات بولس بممثلي بعض أطراف الأزمة، ويعلقون آمالاً كبيرة على ثقل واشنطن لإحداث انفراجة في المشهد السياسي الليبي.
ويرى مراقبون أن بولس، منذ زياراته الأولى إلى ليبيا في منتصف عام 2025، عمل على تعزيز الوجود الأميركي في الملف الليبي على مختلف الأصعدة، بدءاً من تأمين مصالح واشنطن في المنطقة، وخاصة الحد من النفوذ الروسي، وضمان استمرار تدفق النفط، وعودة الشركات الأميركية للاستثمار في هذا القطاع بقوة، وسلطت الأضواء على رعايته للقاءات جمعت بين صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني، وإبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة الوحدة، إلا أن هذه التحركات أثارت تساؤلات حول مدى جدية دعمه لخريطة الطريق الأممية.
ويشير الباحث السياسي والقانوني الليبي هشام سالم الحاراتي إلى أن أطراف الأزمة قد يكونون من بين المستفيدين من انشغال العالم بالتوترات الإقليمية، وتوقع أن يسعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه وتشكيل تحالفات جديدة، وتسوية خلافاته في مناطق سيطرته، وذلك في محاولة لتجميع أوراق ضغط تعزز موقفه في أي مفاوضات قد تعقد بعد انتهاء أو تهدئة الأوضاع.
من جهته، يعتقد أسعد زهيو، رئيس الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية، أن انشغال القوى الدولية بالتوترات قد لا يكون بالضرورة عاملاً سلبياً على الأزمة الليبية، واستند في رأيه إلى أن الأزمة في بلاده، وخاصة الانقسام السياسي، مستمرة منذ أكثر من عقد، على الرغم من تعدد المبادرات الخارجية، سواء عبر الأمم المتحدة أو من خلال جهود دول بعينها.
وقال زهيو إن إتاحة مساحة أكبر لليبيين لتسوية أوضاعهم قد تسهم في تخفيف حدة الخلافات، غير أنه أشار إلى أن ارتباط الأطراف الليبية بحلفاء إقليميين ودوليين قد يعقد هذا المسار.
وتشهد ليبيا حالة من الازدواجية في السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وحكومة في بنغازي برئاسة أسامة حماد، المكلفة من البرلمان والمدعومة من خليفة حفتر، والتي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب.
ويعتقد زهيو أن التوترات الإقليمية لم تلغ الاهتمام بالملف الليبي، لكنها دفعته إلى مرتبة متأخرة في سلم الأولويات، مثلما حدث مع الأزمة الأوكرانية والحرب على غزة، وتوقع أن تركز واشنطن على ضمان استمرار تدفق النفط، ومنع أي مواجهة عسكرية تعطل إنتاجه، واعتبر أن ما يتردد عن مساعي بولس لتشكيل حكومة موحدة بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها بات طرحاً غير واقعي في الوقت الراهن، وأرجع ذلك إلى تطورات داخلية أبرزها تكليف سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة الوحدة بعد أن كان نائباً لحماد.
أما سليمان البيوضي، رئيس حزب التجديد الليبي، فاعتبر تراجع الاهتمام الدولي بالملف الليبي وغيره من أزمات المنطقة مرحلة مؤقتة، وقال إن الجغرافيا السياسية ستفرض شروطها في النهاية في ظل احتدام التنافس الدولي والإقليمي المتصاعد في المنطقة، مما سيدفع القوى المؤثرة في نهاية المطاف إلى البحث عن صيغة اتفاق سياسي يضمن مصالحها المختلفة في ليبيا.







