ماكرون يضغط على حزب الله لوقف التصعيد ويحث اسرائيل على تجنب هجوم واسع

تتابع باريس بقلق بالغ التطورات المتسارعة على الجبهة اللبنانية، وما يرافقها من تصعيد ودمار وخسائر بشرية ونزوح، وعلى الرغم من الجهود المكثفة التي يبذلها الرئيس الفرنسي ودبلوماسيته، لم يتم تحقيق تقدم ملموس في وقف التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله، وذلك بالرغم من الاتصالات الواسعة التي يجريها الرئيس ماكرون مع مختلف الأطراف المعنية، بدءا من السلطات اللبنانية وإسرائيل والولايات المتحدة، وصولا إلى إيران وقادة عربيين، وذلك سعيا لمنع انزلاق لبنان نحو الانهيار.
وفي صباح يوم السبت، نشر ماكرون تغريدة على منصة إكس، كشف فيها عن اتصالات جديدة اجراها يوم الجمعة مع مسؤولين لبنانيين، وذلك ليجدد طرح رؤيته حول كيفية وضع حد للتصعيد، مؤكدا على ضرورة بذل كل الجهود الممكنة لمنع لبنان من الانزلاق إلى الفوضى، داعيا حزب الله إلى الوقف الفوري لما وصفه بالهروب إلى الأمام، كما حث إسرائيل على تجنب شن هجوم واسع النطاق ووقف الضربات المكثفة، خاصة في ظل نزوح مئات الآلاف من الأشخاص نتيجة للقصف.
واضاف ماكرون في تغريدته أن السلطة التنفيذية اللبنانية أبدت استعدادها لإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، مشددا على أهمية تمثيل جميع مكونات البلاد في هذه المحادثات، وبين أن على إسرائيل أن تغتنم هذه الفرصة لبدء حوار والتوصل إلى وقف إطلاق النار، وإيجاد حل دائم يتيح للسلطات اللبنانية تنفيذ التزاماتها تجاه سيادة لبنان، وعرض ماكرون مساهمة فرنسية لتسهيل المحادثات اللبنانية الإسرائيلية من خلال استضافتها في باريس.
وكشفت مصادر مطلعة أن فرنسا حصلت على موافقة أمريكية لتكون جزءا من المفاوضات المرتقبة في حال انعقادها، وهو ما يعكس رغبة فرنسية في حماية لبنان، الذي يتمسك بدوره بالمشاركة الفرنسية التي طلبها مباشرة من باريس، ووفقا للمصادر ذاتها، تلقت باريس وعدا إسرائيليا بالامتناع عن توسيع دائرة المعارك والقيام بهجوم بري، إلا انها لم تحصل بعد على موافقة إسرائيلية على مشاركتها في المفاوضات، والانطباع السائد في العاصمة الفرنسية هو أن فرنسا وحدها تبدو مهتمة بالوضع اللبناني، وتسعى لمساعدته من خلال دبلوماسية التأثير وطرح الحلول.
ولا ترى باريس سبيلا لخفض التصعيد إلا من خلال ثلاث خطوات، الأولى تتعلق بحزب الله، الذي يجب عليه التوقف عن مهاجمة إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيرة، والخطوة الثانية تكمن في أن تقبل إسرائيل إلحاح باريس الداعي للامتناع عن القيام باجتياح بري لمناطق في الجنوب اللبناني، ووضع حد لعمليات القصف والتدمير، أما الخطوة الثالثة فتتمثل في دعوة الحكومة اللبنانية إلى الإقدام على قيام الجيش اللبناني بفرض سيطرته التدريجية على المناطق التي تقع حاليا تحت سيطرة حزب الله، وتعترف باريس بأن هذا الأمر ليس سهلا، بل يتضمن خطورة معينة، لكنها تعتبره ضروريا وحيويا من أجل تمكينها من الحصول على ورقة يمكن الضغط بها على إسرائيل.
وبينت مصادر أن باريس تبدو مستعدة لتقديم المزيد من الدعم للجيش اللبناني، من غير انتظار المؤتمر الذي كان مقررا عقده الشهر الماضي، فضلا عن ذلك، تذكر باريس بأن قوة اليونيفيل، التي تساهم فيها منذ عام 1978، سوف تنسحب من لبنان هذا العام، وبالتالي يتعين على السلطات أن تنظر فيما سيحصل في اليوم التالي، وبنظرها، فإن انتشار الجيش التدريجي، بدءا من المناطق التي يسهل فيها الانتشار إلى المناطق الأكثر صعوبة، يعد أمرا لا مفر منه، ويتعين على السلطات اللبنانية أن تبتدع الحلول.
واكدت باريس أن عملية حصر السلاح يجب أن تمر عبر السلطات اللبنانية بدل أن تقوم إسرائيل بذلك، وهي تذكر بأن ملف السلاح مطروح منذ عام 1990، وقد تضمنته كافة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن منذ ذلك التاريخ، ولا تخفي فرنسا خيبتها من تعطيل الآلية الخماسية، وهي تعزو ذلك لانسحاب الضابط الأميركي الذي كان يرأسها، كذلك فإنها ترفض الخوض في الجدل الذي أثير حول قائد الجيش العماد جوزيف عون، لكنها تتفهم صعوبة المواقف والقرارات التي يتعين عليه اتخاذها.
وتعي باريس أن تحقيق ما تدعو إليه ليس بالأمر السهل، وهي لا تريد بأي حال قيام مواجهة عسكرية بين الجيش اللبناني وحزب الله، من شأنها أن تفجر الوضع اللبناني، ولكن ثمة ما يمكن القيام به من أجل مساعدة الجيش اللبناني، وتعزيز ذراع الشرعية الضاربة، بحيث يميل ميزان القوى لصالحها، ما سيمكنها من السيطرة التدريجية والمنظمة على الأرض.
وتذكر باريس بأنها حصلت على تعهدات من دول عدة، بينها السعودية والإمارات وقطر، لدعم الجيش اللبناني بأسرع وقت، إلا أنها تعي أيضا أنها لا تملك الأوراق الضرورية للتأثير جذريا على مجريات الأمور، وإذا كانت لا تتردد في اعتبار أن إسرائيل تتصرف في لبنان بعيدا عما تنص عليه القوانين الدولية، فإنها ترى بالمقابل أن حزب الله يتصرف كحركة إرهابية، وأنه مسؤول عن الحرب الدائرة حاليا، لأنه هو من بدأها، ولأنه كان يعي مسبقا طبيعة الرد الإسرائيلي، وتعرف فرنسا أنها لا يمكنها أن تكون فقط صديقة للبنان، ولكن يتعين عليها أن تأخذ مطالب إسرائيل بعين الاعتبار، حتى تكون مقبولة منها وقادرة على التأثير عليها.
وفي موضوع السلاح، تفضل باريس وبكلام مبسط أن يعمد حزب الله إلى تسليم سلاحه للجيش اللبناني، بدل أن تقوم إسرائيل بذلك، وما يستتبعه من ضحايا ودمار.
وتنظر باريس بارتياح كبير لما أقدم عليه الرئيس جوزيف عون، بطرح مبادرته لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وترى أن هذه الخطوة هي ما يتعين على لبنان القيام به اليوم، إذ لا حل آخر غيره، ولم يكشف السبت عما دار في الاتصال الهاتفي بين ماكرون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يبدو أنه يعارض انطلاق المفاوضات حسبما نقل عنه، إلا أنها تعتبر أن الأخير قام بخطوات سياسية ما كان ليقدم عليها سابقا، كذلك تثمن باريس التواصل المباشر بين عون والرئيس السوري أحمد الشرع بخصوص ضبط الحدود بين البلدين، وتعد ذلك تثبيتا للشرعية اللبنانية.
وما زالت باريس تطرح مساهمتها لحل الإشكالات الحدودية بين بيروت ودمشق، معتبرة أن مصلحة البلدين تكمن في تنقية علاقاتهما وتطبيعها، بعيدا عما كانت عليه في العقود السابقة.







