امرأة تقود الخليل: أسماء الشرباتي تكشف تحديات القيادة في أكبر بلديات فلسطين

أسماء الشرباتي: قيادة بلدية الخليل في ظل التحديات السياسية والميدانية
في تجربة فريدة، تتولى سيدة فلسطينية قيادة بلدية الخليل، المدينة الأكبر في فلسطين من حيث عدد السكان، والتي تعتبر من أكثر المدن تعقيدًا من الناحية الجيوسياسية بعد القدس، حيث يسيطر الاحتلال على قلبها وتدير السلطة الفلسطينية باقي أنحائها.
الدكتورة أسماء الشرباتي، أستاذة التنمية وتطوير القدرات البشرية، خاضت الانتخابات المحلية ضمن قائمة "الوفاء للخليل"، وهو ائتلاف ترأسه القيادي في حركة فتح، تيسير أبو سنينة، وضم أطيافا سياسية وكفاءات مستقلة، وقد نجح الائتلاف في كسب ثقة الشارع وتشكيل المجلس البلدي.
تولى أبو سنينة رئاسة البلدية لسنوات، حتى اعتقلته سلطات الاحتلال، لتجد الشرباتي نفسها أمام مسؤولية تاريخية لاستكمال المسيرة في ظل ظروف بالغة الحساسية.
لم تكن الرحلة سهلة، بل واجهت الشرباتي وزوجها طبيب العيون الدكتور أمجد الحموري تهديدات مباشرة وإطلاق نار، قالت إنها مرتبطة بمواقفها في المجلس البلدي.
تحديات ميدانية وسياسية
تستعرض الشرباتي ملامح تجربتها في إدارة بلدية الخليل، وتكشف عن التحديات الميدانية والسياسية التي واجهتها، كما توضح الأسباب الكامنة وراء قرارها بعدم الترشح للدورة الانتخابية المقبلة.
بداية المسيرة
قالت الشرباتي: "أنا حاليا رئيسة بلدية مدينة الخليل بالإنابة منذ اعتقلت قوات الاحتلال رئيس البلدية تيسير أبو سنينة قبل نحو 6 أشهر، وقبل ذلك كنت نائبة للرئيس في الدورة الانتخابية الحالية ثلاث سنوات ونصف السنة، أي منذ انتخابات 2022، ضمن قائمة ';الوفاء للخليل'; وهي قائمة وحدة وطنية". وأضافت: "قبل البلدية، أنا مدربة في مجال التطوير الشخصي ومحاضرة جامعية وحاصلة على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع وماجستير في التنمية والتعاون الدولي". وبينت أنها أم لخمسة أبناء وزوجة الأسير الدكتور أمجد الحموري.
العمل العام وخدمة المواطنين
أوضحت الشرباتي أن موضوع الجمعيات أو المؤسسات العامة وخدمة المواطنين جزء من حياتها، وسبق أن أسست مع زملاء آخرين جمعية لتطوير القدرات البشرية، إضافة إلى عضويتها في عدة جمعيات، وأن العمل العام بمفهومه البلدي أو التنموي كصانعة قرار بدأ مع الدورة الانتخابية عام 2022.
تجربة فريدة ومهمة
وصفت الشرباتي تجربتها في البلدية بأنها مهمة على الصعيد الشخصي وحافلة على عدة أصعدة، خاصة أثناء تشكيل قائمة وحدة وطنية تجمع عدة أطياف سياسية وشخصيات مستقلة، وأنها أول مرة تكون نائبة للرئيس سيدة ثم رئيسة للبلدية في كبرى مدن فلسطين، وهي تجربة تفتخر بها، وتعتقد أنها سوف تؤثر إيجابا على المشاركة النسائية في العمل العام بشكل خاص.
تحديات قيادة بلدية الخليل كامرأة
أشارت الشرباتي إلى أن التحديات كثيرة، لكنها لم تجد ممانعة عامة ظاهرة لكونها امرأة، وأنها واجهت سؤالا كثيرا في عدد من اللقاءات، خاصة مع الوفود الأجنبية، وهو كيف تقبل المجتمع في مدينة محافظة فكرة وجودها في المسؤولية؟
بينت أنها وجدت اهتماما عاما من المجتمع، وبالذات فئة الشباب ذكورا وإناثا، وأنها لمسته أيضا في فترة رئاستها للبلدية، وأن هناك انفتاحا وتقبلا عاليا لوجودها على رأس هرم البلدية، سواء من الموظفين أو المجتمع أو المؤسسات.
أكدت أنها لم تجد معارضة ظاهرة أو معيقا لعملها، وأن التعامل مع الموظفين والمؤسسات الرسمية والدولية كان يجري بشكل اعتيادي، وحتى العشائر، وكان هناك انفتاح وشعور بالمسؤولية لدى كل الأطراف.
أوضحت أن هناك معيقات واجهتهم، ليس بالضرورة مرتبطة بكونها سيدة، وإنما بالنظر للقائمة التي تشارك فيها، إذ تعامل البعض معهم من منطلق سياسي نتج عنه تفسير كثير من المواقف والأحداث ببعد سياسي مناف للحقيقة.
بينت أن من التحديات الأخرى تردد بعض الجهات في التعامل معهم في السنة الأولى وحتى وزراء قاطعوا المجلس البلدي، باعتبارهم شكلوا كتلة وحدة وطنية منافسة لكتلة الحزب الحاكم، وحصلوا على الأغلبية، فكان من الصعب على الحزب الحاكم بمؤسساته تقبل وجودهم، لكن هذا التردد تراجع لاحقا وخفت وتيرته، مع بقاء مسافة حذرة، وأنه منذ ترأست البلدية بالإنابة، فالتواصل كان يجري بشكل جيد مع مختلف المؤسسات الفلسطينية والدولية.
الصعوبات الشخصية والتهديدات
قالت الشرباتي: "نحن وجدنا لخدمة مجتمع، ولكل فرد مطالبه واحتياجاته، أحيانا لا أنام الليل عندما تحدث مشكلة ما وللبلدية علاقة بها".
أضافت أنه في موقع مثل البلدية، يواجهون علاقات ومراكز قوة تؤثر إيجابا وسلبا، وخاصة في بعض القرارات المتعلقة بالتوظيف مثلا أو التسريح أو العقوبات، وأنها تعرضت وزميل آخر للخطر والتهديد وإطلاق النار، الذي طال حتى عيادة زوجها، لكنها وجدت ضغطا مجتمعيا عاليا ورفضا لهذه التصرفات، وردة فعل جماهيرية إيجابية متضامنة معهم.
أوضحت أن العلاقة بين الشد والجذب، والبلدية تفتح أبوابها لكل الناس سواء كانوا موفين بالتزاماتهم أو غير موفين، والبلدية تقدم خدمة للجميع وتتعامل مع كل الفئات.
تأثير العمل البلدي على الحياة الاجتماعية
أكدت الشرباتي أن أي عضو مجلس بلدي أو مرشح دخل هذا المعترك يعلم بأنه سيفقد جزءا كبيرا من حياته الاجتماعية ووقته واستراحته، لأن مسؤولية البلد كبيرة.
التعامل مع البعد العشائري في الخليل
أوضحت الشرباتي أن هناك بعدين للثقل العشائري في الخليل، بعد سلبي ينعكس في حالة من الفلتان الأمني وانتشار سلاح العائلات، والبلدية من أكثر الجهات تضررا، خاصة مع تقسيم الخليل وبقاء الإشراف الأمني للاحتلال على أجزاء منها، وأنه في السنوات الأخيرة، تزايد استخدام سلاح العائلات في الخلاف والنزاعات، وهذا يشوه صورة المدينة التي هي رمز للشهامة والكرم والنخوة والتعاون، ومن ثم يلحق الضرر بالبلدية وقدرتها على حماية مقدراتها في مناطق لا تخضع للأمن الفلسطيني، وتم بالفعل الاعتداء مرات عدة على سيارات الإطفاء وشاحنات جمع النفايات.
أكدت أن هناك دورا مهما للعائلات تحاول البلدية الاستثمار فيه بالتعاون مع رجالات العشائر لضبط التوازن في المناطق التي لا وجود للسلطة فيها، لحماية المقدرات والاستمرار في تقديم الخدمات.
تأثير تقسيم المدينة والاستيطان
أكدت الشرباتي أن التحديات الكبيرة هذه هي الأخطر، وتكبل الأيدي وتولد شعورا بالعجز، وأن وضع مدينة الخليل يختلف عن بقية المدن الفلسطينية لكون الاستيطان في داخلها، وليس خارجها كما باقي المدن الفلسطينية عدا القدس.
أوضحت أن الاستيطان داخل المدينة، إضافة إلى المستوطنات المحيطة بها، يشكل تحديا كبيرا للبلدية والسكان على حد سواء، وأن هذه الحالة تخلق هشاشة وضعفا في التواصل مع بعض المناطق، ومحاصرة بعض المواطنين الفلسطينيين من قِبَل المستوطنات أو البؤر الاستيطانية، وأنه من الصعب تعزيز صمود المواطنين في أراضيهم أو حماية مقدراتهم وتقديم الخدمات لهم، خاصة مع انتشار البوابات والسواتر والحواجز، التي خلفت حالة تهجير قسري من المناطق المغلقة لمناطق أخرى في الخليل.
بينت أن سحب صلاحيات البلدية في منطقة الحرم الإبراهيمي خطوة خطيرة وغير مسبوقة، وتشكل خطرا على الحرم وعلى المواطنين، وأنهم يبذلون جهودا كبيرة في توعية الناس ومتابعة هذا الملف، وأن هناك تواصلا مع المؤسسات الرسمية تمهيدا لرفع الملف لمحكمة العدل الدولية، واجتماعات تعقد مع مختصين وقانونيين في البلدية بهدف توحيد الجهود باتجاه تدويل المسألة.
المجالس المحلية كبديل عن السلطة
نفت الشرباتي أن يكونوا لمسوا شيئا من ذلك، وأن الاحتلال يسعى لتقويض المؤسسة الفلسطينية الحكومية، وأنهم لن يقبلوا بأن يكونوا بديلا عن المؤسسة الحكومية، ولا يمكن لأي بلدية أن تأخذ الدور أو تكون البديل عن الحكومة، وأنهم في حالة تكامل.
أكدت أن بلدية الخليل مؤسسة خدماتية تقوم بدورها على أكمل وجه وترفض تقويض صلاحياتها، وفي الوقت نفسه هي متعاونة مع كافة المؤسسات التي يجب أن تتعاون معها في سبيل إنجاح مهامها.
دور المرأة الفلسطينية في المؤسسات الرسمية
أوضحت الشرباتي أن المرأة موجودة في العمل وفي المؤسسة الرسمية والأحزاب على مختلف المستويات، وأن المرأة لها الخيار في اتخاذ قرارها في حدود طاقتها وهناك من قررن عدم العمل، وأنه على مستوى الأحزاب السياسية تمثيلها ما زال بالحد الأدنى، وفي البلديات حضورها ضمن نظام الكوتة، وجزء من الأسباب تتعلق بالمرأة نفسها وجزء آخر بالمؤسسات والأحزاب.
الانتخابات المحلية القادمة
أعلنت الشرباتي أنها عزمت أمرها على عدم المشاركة بالرغم من أهميتها لإثراء التجربة، وأن وجودها في البلدية عضوة ونائبة للرئيس ثم قائمة بأعمال الرئيس شكل لها إضافة نوعية قدمت خلالها مساهمات إيجابية للمجتمع، وحققوا جزءا كبيرا من وعودهم الانتخابية، وإن كانوا يعملون في ظرف صعب في إدارة الأزمة أكثر من إدارة التنمية.
بينت أنها قررت عدم خوض الانتخابات لأسباب عدة، منها الاشتراط على المرشحين التوقيع على تعهدات بالالتزام باتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا لا تقبله، وهذا اشتراط غير منصف وغير عادل، ومن ثم حرم الحزب الحاكم نفسه من وجود منافس حقيقي ينضج التجربة.
تأثير اعتقال الزوج
أكدت الشرباتي أن اعتقال زوجها شكل ضغطا إضافيا عليها بلا شك، وأن لديها أسرة وأولادا، ابنتان في الجامعة، وأولاد في المدرسة تحاول الاعتناء بهم، وأن زوجها إنسان إيجابي جدا في وجوده بالبيت، واعتقاله يخلق فراغا كبيرا، وأنه اعتقل أكثر من 10 سنوات، ونصف فترة زواجهم كان معتقلا، وآخر مرة اعتقل في الحرب.
رسالة حول تغييب رئيس البلدية
أكدت الشرباتي أن تغييب رئيس البلدية الأستاذ تيسير أبو سنينة رسالة من الاحتلال بأنه لا مؤسسة فلسطينية محصنة، ومنها بلدية الخليل، التي هي أكبر هيئة محلية منتخبة في الضفة الغربية، وأنه لا أحد خارج سطوة الاحتلال.
أوضحت أنه في غياب رئيس البلدية المسؤولية مضاعفة، لكن المؤسسة يجب أن تستمر في تقديم الخدمات والدفاع عن المقدرات حتى اللحظة الأخيرة، رغم كل المعيقات الموجودة، وأنه بالنسبة لها كان هذا التمثيل مهما وتجربة ناجحة وفيها تحملت المسؤولية للحظة الأخيرة.







