فجوة السكن والعمل.. لماذا لا تزال المدن الجديدة في مصر تنتظر قاطنيها؟

تثير التوسعات العمرانية الكبيرة التي تشهدها مصر تساؤلات ملحة حول قدرة المدن الجديدة على التحول إلى بيئات جاذبة للسكان بشكل فعلي بدلا من الاكتفاء بكونها كتل خرسانية ضخمة. وبينما تراهن الحكومة على هذه المشاريع لتخفيف الضغط عن المحافظات المكتظة، تظهر دراسات اقتصادية وجود فجوة واسعة بين المستهدفات السكانية والأعداد المقيمة بالفعل على أرض الواقع.
واثار عضو مجلس النواب ياسر الهضيبي تساؤلات جوهرية حول جدوى الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في مدن الجيل الرابع على مدار عقود، مبينا ان عددا من تلك المدن بما فيها العاصمة الادارية وبعض مدن اكتوبر والعلمين لم تحقق سوى نسب ضئيلة جدا من مستهدفاتها السكانية المعلنة.
واكدت دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية ان معدلات الاشغال في العديد من المدن التي انشئت منذ سنوات طويلة لا تزال تتراوح بين 5 الى 20 بالمئة فقط، وهو ما يضع علامات استفهام حول اسباب عزوف المواطنين عن الانتقال اليها رغم البنية التحتية المتطورة.
واوضحت هيئة المجتمعات العمرانية ان خطط الدولة تهدف في المقام الاول الى مواجهة الزيادة السكانية وتجنب كارثة التكدس التي تعاني منها القاهرة والمحافظات القديمة، مشيرة الى ان هناك توقعات بزيادة تدريجية في معدلات الاشغال خلال الفترة المقبلة مع اكتمال الخدمات والمرافق الحيوية.
واضاف رئيس شركة العاصمة الادارية خالد عباس في وقت سابق ان المدينة بدأت تشهد حركة سكنية فعلية، حيث تجاوز عدد المقيمين فيها 30 الف مواطن، مع توقعات بزيادة هذا الرقم بشكل مستمر مع انتقال مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات الحياتية للسكان.
وكشف خبير التطوير الحضاري الحسين حسان ان تراجع نسب التوطين يعود بشكل رئيسي الى ضعف آليات التسويق الحكومي، اضافة الى عدم ملاءمة اسعار الوحدات العقارية مع متوسط دخول الطبقات المتوسطة، وارتفاع تكاليف المعيشة والمواصلات مقارنة بالمناطق التقليدية.
وبين حسان ان بقاء فرص العمل متركزة في المدن القديمة يجعل من الصعب على المواطن اتخاذ قرار الانتقال، حيث لا تزال الفجوة في الفرص الوظيفية بين القاهرة والمحافظات الاخرى شاسعة، مما يفرض على السكان التمسك بمواقعهم الحالية.
وشدد استاذ التخطيط العمراني محمد جبر على ان نجاح اي مدينة جديدة لا يتوقف على توفير السكن فقط، بل يرتبط بوجود قاعدة اقتصادية وخدمية متكاملة، موضحا ان المدن التي اعتمدت على الانشطة الصناعية والانتاجية كانت اكثر نجاحا في جذب السكان لانها وفرت لهم مصدر رزق دائم.
واختتم جبر حديثه موضحا ان الحل يكمن في اعادة رسم الحدود الادارية للمحافظات وفق رؤية تنموية شاملة، بحيث تصبح كل منطقة قادرة على استغلال مواردها وخلق فرص عمل ذاتية، بدلا من الاعتماد على تجمعات سكنية منعزلة تفتقر الى الروابط الاقتصادية الحقيقية مع محيطها.







