مطبخ بغداد العتيق: نار لا تنطفئ منذ قرون لاطعام الفقراء

تستيقظ العاصمة العراقية بغداد كل يوم على روائح طعام شهي ينبعث من مطبخ الخيرات داخل الحضرة القادرية في منطقة باب الشيخ، حيث تواصل هذه المؤسسة العريقة تقديم وجباتها للجميع دون تمييز منذ اكثر من سبعة قرون في تجسيد حي لمعاني التكافل الاجتماعي، وتعد هذه المبادرة جزءا لا يتجزأ من التراث الروحي والانساني الذي ارتبط باسم الشيخ عبد القادر الجيلاني، اذ تفتح ابوابها لاستقبال المحتاجين والزوار الباحثين عن البركة في طقس يومي مستمر لا يعرف التوقف.
واوضحت المشاهد الميدانية ان عملية الطبخ تبدا في ساعات الفجر الاولى، حيث يتوافد المتطوعون والطباخون لتجهيز كميات كبيرة من الطعام، ويقوم القائمون على المطبخ بتوزيع وجبات الغداء التي تشمل الارز واللحم، اضافة الى شوربة الشيخ عبد القادر الجيلاني الشهيرة، واكد العاملون في المطبخ ان الهوية لا تطلب من المستفيدين، فالمكان متاح لكل من يقصده طلبا للغذاء، حيث يتم ملء الاواني التي يحضرها الناس معهم في نظام اتسم بالاستدامة عبر العصور.
واضاف مسؤول المطبخ حذيفة عبد الخالق ان حجم الاستهلاك اليومي يعكس ضخامة العمل الخيري، اذ يتم استخدام ما يزيد عن مئة كيلوغرام من اللحوم وكميات ضخمة من الارز والمواد الغذائية الاساسية يوميا، مبينا ان هذه الكميات تتضاعف بشكل لافت خلال المناسبات الدينية مثل ذكرى المولد النبوي او مناسبات الحضرة القادرية، حيث يصل استهلاك اللحوم في تلك الايام الى اربعمئة كيلوغرام لتغطية احتياجات مئات العوائل والمسنين الذين ينتظرون هذه الوجبات.
واكد القائمون ان نشاط المطبخ يتجاوز حدود بغداد، فقد كشفت التقارير ان المبادرة تمتد لتوزيع سلال غذائية في المحافظات التي تعاني من ظروف صعبة ومخيمات النازحين، واظهرت البيانات ان المطبخ وزع مئات الالاف من وجبات الافطار خلال شهر رمضان الماضي، معتمدا بشكل كلي على التبرعات التي تاتي من داخل العراق وخارجه ومن زوار الحضرة القادمين من دول اسلامية مختلفة، مما يعزز من استمرارية هذا الوقف الخيري.
وبينت يوهاد توما، وهي متطوعة مسيحية تشارك في اعداد الطعام، ان العمل في المطبخ يمثل رسالة محبة وتعايش، واضافت ان خدمتها في هذا المكان تنبع من ايمانها بان فعل الخير لا يرتبط بدين او طائفة، واوضحت ان وجودها بجانب المسلمين في هذا المطبخ التاريخي يعكس التلاحم المجتمعي في العراق، حيث اصبحت هذه المائدة رمزا للسلام والرحمة التي تجمع الناس على اختلاف مشاربهم.
واشار المستفيدون من هذه الخدمة الى ان المطبخ يمثل سندا حقيقيا لهم منذ سنوات طويلة، واكدت احدى المستفيدات ان الاعتماد على وجبات الحضرة ساهم في تخفيف اعباء المعيشة عن عائلتها لسنوات، موضحا ان هذه العادة المتوارثة في بغداد لا تزال قادرة على الصمود امام تحديات الزمن، لتبقى نيران مطبخ الخيرات رمزا للرحمة والعطاء الذي لا ينقطع.







