اكتشاف تأثير العدوى العاطفية وأثرها على الصحة النفسية

قبل أن تتبادل أي كلمة مع زميلك في العمل، قد تكون مشاعره قد انتقلت إليك بالفعل. تخيل أنك بدأت يومك بنشاط واحتسيت كوب قهوتك المفضلة. ثم دخلت المكتب بابتسامة لتجلس بجوار زميل يبدو مرهقا ومتوترا، يزفر بضيق ويطرق لوحة المفاتيح بعصبية. ولا يتوقف عن الشكوى من ضغط العمل. وبعد ساعة، تكتشف أن مزاجك لم يعد كما كان وأن التوتر تسلل إليك دون سبب واضح.
ما حدث ليس مجرد تعاطف عابر، بل ظاهرة نفسية تُعرف بالعدوى العاطفية. فالمشاعر، سواء كانت إيجابية أو سلبية، يمكن أن تنتقل بين الأشخاص بصورة لا واعية، حتى يجد الإنسان نفسه يشارك من حوله حالتهم المزاجية دون أن يدرك ذلك، تماما كما تنتقل العدوى بين الأفراد.
تشير دراسة نشرتها منصة ييل نيوز إلى أن المشاعر والسلوكيات تنتشر عبر الشبكات البشرية بطريقة تشبه انتشار الأوبئة. إذ لا تقتصر العدوى على الفيروسات، بل يمكن أيضا أن تشمل الانفعالات والعادات وأنماط السلوك.
لطالما اعتقدنا أن المشاعر تجارب ذاتية تنبع من الداخل فقط، لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أنها قد تكون أكثر قابلية للانتقال مما نتصور. فقد كرست الباحثة الراحلة سيغال بارساد، أستاذة الإدارة في كلية وارتون للأعمال، جزءا كبيرا من أبحاثها لدراسة مفهوم العدوى العاطفية. وأظهرت أن المشاعر تنتقل بين البشر عبر شبكة اجتماعية وبيولوجية معقدة وبسرعة لافتة.
وفي أبرز دراساتها، وجدت بارساد أن المشاعر تنتشر داخل المجموعات بطريقة تشبه تأثير التموج. فإذا دخل شخص إلى اجتماع وهو يحمل حالة مزاجية إيجابية أو سلبية، فإن هذه الحالة قد تنتقل تدريجيا إلى بقية الحاضرين، بما ينعكس على جودة النقاش وآلية اتخاذ القرار ومستوى الإنتاجية.
توضح الأخصائية شيرين عبد العليم أن العدوى العاطفية هي انتقال المشاعر من شخص إلى آخر بصورة تلقائية ومن دون قصد. إذ تنتقل عبر تعابير الوجه ونبرة الصوت ولغة الجسد، فيتبنى الطرف الآخر حالة عاطفية مشابهة بشكل غير واع.
على سبيل المثال، شخص يضحك قد يبدأ الآخرون من حوله بالضحك أو الشعور بالبهجة دون سبب. وكذلك إذا شعر شخص بالتوتر والقلق، فقد ينتقل هذا الشعور إلى من حوله، خاصة إذا كانت بينهم علاقة وطيدة.
توضح الأبحاث أن العدوى العاطفية لا تحدث بصورة عشوائية، بل تمر بسلسلة من العمليات التلقائية التي تجري من دون وعي. ويشير كتاب العدوى العاطفية الصادر عن جامعة كامبريدج إلى ثلاث مراحل رئيسية لهذه العملية.
التقليد غير الواعي: عندما نتفاعل مع شخص ما، فإننا نقوم تلقائياً وبشكل غير مرئي بتقليد حركاته البسيطة وتعابير وجهه ونبرة صوته وحتى وضعية جسده.
التغذية الراجعة الجسدية: بمجرد أن يقلد وجهك وجسدك تعبير الضيق أو الغضب الخاص بالطرف الآخر، يرسل جهازك العصبي إشارة إلى دماغك تقول: بما أننا نعبس ونشد عضلاتنا، فنحن بالتأكيد نشعر بالغضب أو القلق.
التماهي العاطفي: هنا تكتمل العدوى، حيث يفرز دماغك الكيمياء الحيوية المرتبطة بهذه السلبية، لتتحول المحاكاة الجسدية إلى شعور حقيقي داخلك.
وتكمل شيرين حديثها وتقول: السر وراء ذلك يكمن في الخلايا العصبية المرآتية. هذه الخلايا المتخصصة في الدماغ تنشط في حالتين: عندما نقوم بفعل معين، وعندما نراقب شخصاً آخر يقوم بالفعل نفسه. إنها بمثابة جهاز محاكاة داخلي يعيد تشغيل مشاعر الآخرين داخل دماغنا لكي نفهمهم. لكن الثمن الذي ندفعه هو انتقال طاقتهم السلبية إلينا بالكامل.
لا يؤثر الوجود المستمر في بيئة يغلب عليها التوتر في الحالة المزاجية فحسب، بل قد ينعكس أيضا على الصحة الجسدية. تشير التقارير المنشورة في موقع هيلث لاين وسيكولوجي توداي إلى أن التعرض المستمر لضغط الآخرين العاطفي يترجم بيولوجياً إلى تهديد مباشر للصحة.
ومن أبرز الآثار المحتملة لذلك:
ارتفاع هرمونات التوتر: إذ يزداد إفراز الكورتيزول والأدرينالين، ما يضع الجسم في حالة تأهب مستمرة تعرف باستجابة الكر أو الفر، وهو ما قد يؤدي إلى الشعور بالإرهاق مع مرور الوقت.
التأثير في جهاز المناعة: فالتوتر المزمن يرتبط بضعف كفاءة الجهاز المناعي، مما قد يزيد قابلية الجسم للإصابة ببعض الأمراض والعدوى.
ظهور أعراض جسدية: مثل الصداع وصعوبة النوم وتشنج عضلات الرقبة والكتفين واضطرابات الجهاز الهضمي، وهي أعراض ترافق الضغوط النفسية المستمرة.
تراجع التركيز والإنتاجية: إذ يستهلك التوتر جزءا كبيرا من الموارد الذهنية، فتضعف القدرة على التركيز، وتتأثر الذاكرة قصيرة المدى، ويصبح اتخاذ القرارات أكثر صعوبة.
إذا كان فيروس السلبية ينتشر بهذه السهولة، فكيف نحمي أنفسنا دون أن نتحول إلى كائنات منعزلة اجتماعياً؟ الحل يكمن في تطوير مناعة نفسية قوية عبر استراتيجيات عملية ومجربة.
وضع الحدود الصحية: لا تعني الحدود الصحية الانعزال عن الآخرين، بل وضع مسافة تسمح بالتعاطف دون استنزاف النفس. يمكن تطبيق ذلك من خلال تحديد وقت للاستماع. إذا كان لديك صديق يكثر من الشكوى، يمكنك أن تقول بلطف: أنا هنا لأستمع إليك وأدعمك، لكن دعنا نخصص 10 دقائق للحديث عما يضايقك، ثم نفكر معا في الحلول بدلا من الاستمرار في المشكلة.
التباعد الجسدي عند الحاجة: في بيئات العمل المفتوحة، قد يساعد استخدام سماعات عازلة للضوضاء أو تغيير مكان الجلوس -إن أمكن- في تقليل التعرض المستمر للإشارات البصرية والسمعية التي قد تنقل التوتر بصورة غير واعية.
تفعيل الدرع المعرفي: عندما تشعر بأن مشاعر سلبية بدأت تتسلل إليك أثناء الحديث مع شخص متوتر، اسأل نفسك: هل هذا الشعور يخصني أم يخصه؟ هذا الوعي يساعد على الفصل بين مشاعرك ومشاعر الآخرين.
تشير الباحثة إيلين هاتفيلد، في دراساتها حول العدوى العاطفية، إلى أن الوعي بحدوثها يمثل الخطوة الأولى للحد من تأثيرها. فمجرد إدراك أنك بدأت تقلد تعابير الشخص أو حالته المزاجية يضعف من تأثير هذه العدوى عليك.
لا تشارك الآخرين سلبياتهم: توضح الأخصائية النفسية شيرين عبد العليم أن الأطباء والمعالجين النفسيين طوروا برامج علاجية ووقائية تساعد على الحد من تأثير العدوى العاطفية.
كن أنت العدوى الإيجابية: أنت لست ضحية للبيئة المحيطة بك. بامتلاكك الوعي بكيفية عمل دماغك وخلاياك المرآتية، وبنائك لدرع صحي من الحدود النفسية، يمكنك تحويل المعادلة. بدلاً من أن تصاب بسلبية الآخرين، كن أنت مصدر الطاقة الإيجابية.







