سباق الأسماء لقيادة الخزانة البريطانية يحدد ملامح المرحلة المقبلة

يعتبر اختيار وزير المالية البريطاني الجديد خطوة حاسمة تتجاوز مجرد توزيع الحقائب الوزارية، إذ يمثل اختبارًا فعليًا لرئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الذي يستعد لتولي مهام منصبه في داونينغ ستريت يوم الاثنين، خلفًا لكير ستارمر.
يعتبر منصب وزير الخزانة من المناصب الحيوية في الحكومة البريطانية، حيث سيتولى المسؤولية عن إدارة اقتصاد يواجه مجموعة متنوعة من التحديات، بما في ذلك تباطؤ النمو وارتفاع مستويات الدين العام، بالإضافة إلى التحديات التي تفرضها الأوضاع العالمية مثل الحرب في الشرق الأوسط، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والمخاوف التضخمية.
رغم أن فريق بيرنهام أكد أن القرار النهائي لم يُحسم بعد، وأن التشكيلة الوزارية لن تُعلن قبل توليه المنصب رسميًا، فقد بدأت دوائر السياسة والأسواق المالية تتداول عددًا من الأسماء المحتملة، مما يثير تساؤلات حول الشخص الذي سيتولى وزارة المالية والنهج الاقتصادي الذي ستتبناه الحكومة الجديدة.
تتزايد أهمية هذا المنصب في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث لا يرث الوزير المقبل اقتصادًا مستقرًا، بل ملفات تُعتبر من الأصعب منذ فترة طويلة.
يعاني الاقتصاد البريطاني من تباطؤٍ مزمن في الإنتاجية منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتوالت عليه صدمات متعددة مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وجائحة كورونا، بالإضافة إلى الحرب في أوكرانيا وتأثيرات الحرب في الخليج التي رفعت أسعار النفط.
يتعين على الحكومة الجديدة المحافظة على انضباط المالية العامة في ظل الضغوط المتزايدة لزيادة الإنفاق على الخدمات العامة والدفاع، فيما تتابع الأسواق مستويات الاقتراض الحكومي.
يرى اقتصاديون أن اسم وزير المالية سيوجه رسالة حاسمة للمستثمرين حول التوجهات الاقتصادية للحكومة، سواء كانت ستتجه نحو توسيع الإنفاق أو ستلتزم بالانضباط المالي.
برزت وزيرة الداخلية شابانا محمود كأحد الأسماء الأكثر تداولاً لتولي وزارة الخزانة، حيث أظهرت تقارير إعلامية وجود مناقشات متقدمة داخل فريق بيرنهام بشأن تعيينها. ورغم عدم امتلاكها خلفية اقتصادية متخصصة، إلا أنها تُعتبر من الشخصيات البارزة في الجناح المعتدل داخل حزب العمال، مما قد يُطمئن الأسواق المالية.
أشارت كاثلين بروكس، مديرة الأبحاث في شركة اكس تي بي، إلى أن التقارير حول تعيين محمود قد أثرت على الأسواق، حيث ارتفع الجنيه الإسترليني أمام الدولار بنحو واحد في المائة، معتبرةً إياها شخصية قادرة على تبني سياسات اقتصادية متوازنة.
لكن تقارير أخرى ذكرت أن محمود قد تفضل البقاء في وزارة الداخلية لاستكمال إصلاحات نظام اللجوء والهجرة، مما يجعل انتقالها إلى وزارة الخزانة غير محسوم.
أما إد ميليباند، وزير الطاقة، فقد كان أيضًا من أبرز المرشحين لتولي وزارة المالية، مستفيدًا من قربه السياسي من بيرنهام وخبرته السابقة. إلا أن هذا الترشيح أثار انقسامًا بين المحللين، حيث يخشى البعض من أن تؤدي سياساته المتعلقة بالتحول إلى الطاقة النظيفة إلى زيادة الضغوط التضخمية.
تراجعت فرص ميليباند مؤخرًا، رغم استمرار دعم بعض أعضاء حزب العمال لترشيحه.
تُعتبر إيفيت كوبر وزيرة الخارجية خيارًا توافقياً يجمع بين الخبرة الاقتصادية والقبول السياسي، حيث شغلت منصب كبيرة أمناء وزارة الخزانة سابقًا، مما يمنحها خبرة مباشرة في إدارة السياسات المالية.
أما ويس ستريتينغ، وزير الصحة، فقد كان أحد أبرز المرشحين، حيث يدعو إلى أهمية تسريع النمو الاقتصادي، لكن طموحاته السياسية قد تجعل تعيينه في وزارة المالية خيارًا حساسًا بالنسبة لبيرنهام.
وعلى الرغم من أن بات ماكفادين، وزير العمل والمعاشات، لا يتصدر الترشيحات، إلا أن العديد من الخبراء يعتبرونه الأكثر تأهيلاً بفضل خبرته في الملفات المالية. ومع ذلك، قد يقلل قربه من حكومة كير ستارمر من فرص اختياره.
تتزايد المؤشرات على أن راشيل ريفز، وزيرة المالية الحالية، لن تحتفظ بمنصبها، رغم دفاعها عن سياساتها الاقتصادية. تشير تقارير إلى إمكانية توليها حقيبة وزارية أخرى في الحكومة الجديدة.
تراقب الأسواق ليس فقط اسم الوزير المقبل، بل النهج الاقتصادي الذي سيحمله. فاختيار شخصية تعرف بدعمها للانضباط المالي قد يعزز ثقة المستثمرين، بينما قد يؤدي اختيار شخصية تميل إلى زيادة الإنفاق إلى ارتفاع المخاوف بشأن الدين العام.
سيكون وزير المالية الجديد أول من يواجه تحديات إعادة تنشيط الاقتصاد البريطاني واحتواء الضغوط التضخمية، وهي قضايا ستحدد نجاح حكومة بيرنهام في السنوات الأولى.







