كيف نجحت السعودية في تعزيز اقتصادها وسط الأزمات المتزايدة

في ظل تصاعد حدة التوترات الإقليمية بفعل النزاع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، استطاعت السعودية أن تحافظ على استقرار اقتصادها على الرغم من التحديات الكبيرة. جاء تثبيت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني للمملكة عند "إيه +" مع نظرة مستقبلية "مستقرة" ليؤكد على متانة الاقتصاد السعودي في مواجهة الأزمات. هذا الأمر أثار تساؤلات حول الاستراتيجيات التي اتبعتها المملكة للحفاظ على هذا الاستقرار.
وأضافت مصادر اقتصادية أن النجاح لا يعود فقط لارتفاع أسعار النفط، بل يرتبط بمنظومة متكاملة من الإصلاحات التي تم تنفيذها على مدى السنوات الماضية، شملت تعزيز المصدات المالية واللوجستية، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز دور القطاع الخاص. كل هذه العوامل ساهمت في قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة الصدمات الخارجية.
بينما ينتظر مجتمع المال والأعمال الدولي التقرير الشامل لصندوق النقد الدولي حول مشاورات المادة الرابعة مع المملكة، تكشف البيانات المتوفرة عن كيفية اجتياز الاقتصاد السعودي لأصعب الظروف الجيوسياسية في السنوات الأخيرة. إذ أظهرت أرقام البنك المركزي السعودي ميزان المدفوعات مصداقية هذه الاستراتيجيات.
عندما أعلنت ايران إغلاق مضيق هرمز، توقع الكثيرون أن يصيب ذلك صادرات النفط الخليجية بشلل كبير. إلا أن السعودية كانت مستعدة لذلك منذ عقود، حيث طورت منظومة متكاملة لتأمين صادراتها. شملت هذه الاستراتيجية تطوير خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، بالإضافة إلى إنشاء مراكز تخزين استراتيجية في أسواق رئيسية حول العالم.
وعند اندلاع الأزمة، تمكنت أرامكو السعودية من الوفاء بالتزاماتها التصديرية بفضل هذه المنظومة. حيث دعمت الإمدادات عبر الخطوط البديلة واستفادت من المخزونات الخارجية. وهذا ما أتاح لها تقليل تأثير إغلاق المضيق على تدفقات النفط.
على الرغم من ارتفاع أسعار النفط والشحن عالميا نتيجة الحرب، إلا أن تأثير هذه الصدمة على الاقتصاد المحلي كان محدودا. ويرجع ذلك إلى كفاءة سلاسل الإمداد، واستقرار سعر صرف الريال، وارتفاع المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية. وبالتالي، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم نحو 2.3 في المائة فقط خلال العام.
وعلى الرغم من التحديات التي فرضتها الأزمة، أظهر الحساب الجاري فائضاً بلغ 4.1 مليار دولار، وهو أول فائض يسجل بعد فترة من العجز. هذا التحول جاء نتيجة لارتفاع الأسعار العالمية للنفط، مما عوض عن تراجع الكميات المصدرة.
أيضا، دخلت المملكة الأزمة بأدوات مالية قوية، حيث سجلت العمليات الاستثمارية للجهات الحكومية قفزة قياسية في تصفية الأصول الأجنبية. كما حافظت الأصول الاحتياطية لدى البنك المركزي على مستويات متوازنة، مما ساعد في تعزيز مصدات الأمن المالي.
علاوة على ذلك، تمكنت المملكة من تأمين تمويل خارجي بقيمة 13 مليار دولار، وهو ما يعكس قوة مركزها الائتماني. كما استمرت تدفقات الاستثمار الأجنبي في السوق المالية، حيث سجل المستثمرون غير المقيمين صافي مشتريات في الأسهم السعودية، مما يعكس عمق الثقة في الاقتصاد السعودي.
تشير التجربة الحالية إلى أن الإصلاحات التي تمت بموجب رؤية 2030 قد ساهمت في تعزيز استقرار الاقتصاد. فلو حدثت الأزمة قبل إطلاق هذه الرؤية، لكان الاعتماد أكبر على الإيرادات النفطية، وكان الاقتصاد أقل تنوعا. أما اليوم، فإن الاقتصاد يعتمد على مصادر متنوعة تشمل الإيرادات غير النفطية والقطاع المصرفي وصندوق الاستثمارات العامة.
وفي ختام البيان الختامي لصندوق النقد الدولي، تم التأكيد على أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة واضحة على التكيف مع المتغيرات الخارجية. ورغم خفض توقعات النمو، إلا أن هذا لا يعكس ضعف الاقتصاد بقدر ما يدل على التأثيرات المتزايدة للبيئة الإقليمية. ومع استمرار التوترات، يبقى التركيز على ضرورة مواصلة الإصلاحات وزيادة مساهمة القطاع الخاص.







