الذكاء الاصطناعي في مصر: بين تهديدات وظائف جديدة وفرص للنمو

تتفاعل مصر مع التغيرات العالمية في سوق العمل بفعل تقدم الذكاء الاصطناعي، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تأثير هذا التقدم سيختلف بحسب طبيعة الاقتصاد ومستوى التطور التكنولوجي. وأكد البنك الدولي أن الدول النامية، بما في ذلك مصر، ستشهد تأثيراً أقل حدة مقارنةً بالدول مرتفعة الدخل، وذلك بسبب اعتماد أسواق العمل فيها على الوظائف اليدوية والتفاعل البشري المباشر.
وأضاف البنك أن نحو 1.3 مليون شاب يدخلون سوق العمل المصرية سنوياً، بينما لا تتجاوز أعداد الوظائف المستحدثة نصف مليون وظيفة، مما يخلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب. في هذا السياق، يبرز التساؤل حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل تهديداً أم فرصة للنمو الاقتصادي.
وأوضح المهندس وليد جاد، خبير التحول الرقمي، أن دخول الحاسوب إلى مصر في السنوات السابقة أظهر مخاوف مشابهة، لكن هذه المخاوف تحولت إلى فرصة لخلق وظائف جديدة وزيادة الإنتاجية. وأكد جاد أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل سوق العمل، لكنه في الوقت نفسه يوفر فرصاً لتعزيز الإنتاجية وخلق أسواق جديدة.
بينما يرى الدكتور أبو العلا عطيفي، أستاذ الذكاء الاصطناعي، أن مصر تمر بمرحلة انتقالية حاسمة، حيث يتحول التأثير من الهامش التكنولوجي إلى التأثير البنيوي على المهارات المطلوبة في سوق العمل. ويشير إلى أن السؤال الأهم هو ليس إن كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر، بل متى سيظهر هذا التأثير وكيف.
وحذر الدكتور أحمد طنطاوي، المشرف على مركز الابتكار التطبيقي، من الإفراط في الخوف من التطور التكنولوجي. وأكد على أهمية تبني تخطيط واقعي للاستفادة من التكنولوجيا، مشدداً على ضرورة الابتكار في استخدام التقنيات الحديثة.
كما أظهرت دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً غير متكافئ لقطاعات معينة في سوق العمل، حيث تصدرت وظائف الأعمال المكتبية والإدارية قائمة الوظائف الأكثر عرضة للاستبدال، مع نسبة أتمتة تصل إلى 52%. وأكد الباحثون أن هذا النوع من الأتمتة يستهدف الوظائف التي تعتمد على معالجة البيانات والمواعيد.
على الرغم من التوقعات السلبية، أوضح الدكتور محمد الموجي أن هذا لا يعني اختفاء الوظائف بالكامل، بل قد يؤدي إلى اندماج كبير في طبيعة العمل. وأشار إلى أن الموظفين الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي سيكون لديهم القدرة على إدارة كميات كبيرة من المهام، مما يقلل من الحاجة للتوظيف الجديد.
وتظهر الدراسة أن الوظائف اليدوية والحرفية والزراعية ستظل أكثر صموداً في مواجهة الأتمتة، حيث تعتمد على مهارات جسدية دقيقة. وأكد الموجي أن هذه الوظائف لا تزال بعيدة عن التهديد بسبب صعوبة محاكاة الذكاء الاصطناعي لبيئات العمل المتغيرة.
بينما تتأثر فئة المهنيين بشكل أقل، حيث تشير الدراسات إلى أن المهن القانونية والاجتماعية تواجه أتمتة تصل إلى 45% من مهامها. وتوقع الباحثون أن تتغير طبيعة أدوار هؤلاء المهنيين ليصبحوا مشرفين على أنظمة الذكاء الاصطناعي بدلاً من تنفيذ المهام المعرفية التقليدية.
في المقابل، تساءل الدكتور حسن أبو العلا عن كيفية رسم المسار المهني للأجيال الجديدة، مشيراً إلى أنه يجب على الجامعات تعديل مناهجها لتواكب التغيرات السريعة. ولفت إلى أن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق الرقمية تتطلب تحديثاً مستمراً.
وأخيرا، يتوقع الدكتور طنطاوي أن يكون التأثير النهائي لدخول الذكاء الاصطناعي في سوق العمل إيجابياً، حيث سيؤدي إلى توسع الأعمال والأنشطة الجديدة في مقابل انكماش بعض الأعمال التقليدية. ويعتبر هذا التحول فرصة لمصر للاستفادة من التطورات التكنولوجية.







