التدخلات اليابانية في سوق الين: هل فقدت فعاليتها أمام تقلبات الأسواق؟

خلال الساعات الأخيرة، تحولت التساؤلات في الأسواق المالية العالمية من متى ستتدخل اليابان لإنقاذ عملتها إلى هل لا يزال التدخل قادراً على تغيير مسار الين. عندما تجاوز الدولار مستوى 162 يناً للمرة الأولى منذ عام 1986، لم يتغير خطاب الحكومة اليابانية. كررت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما العبارة نفسها التي استخدمتها طوكيو خلال الأشهر الماضية: سنكون مستعدين لاتخاذ الإجراءات المناسبة في أي وقت. لكن الأسواق بدت غير مقتنعة. بعد إنفاق قياسي بلغ 11.7 تريليون ين، أي ما يعادل أكثر من 72 مليار دولار، في تدخلات جرت بين أواخر أبريل وبداية مايو، عاد الين إلى مستويات أضعف من تلك التي دفعت الحكومة إلى التدخل أصلاً. وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية: هل رفعت طوكيو بالفعل سقف تحملها لضعف الين، أم أن الأسواق هي التي رفعت تكلفة الدفاع عنه؟.
وأضاف العديد من بيوت الاستثمار العالمية أن الحكومة ربما لم تعد تنظر إلى مستوى 160 ين باعتباره الحد الذي يستوجب التدخل الفوري. بل أصبحت تراقب مستويات أعلى قد تمتد إلى نطاق 163 أو حتى 165 ين للدولار إذا استمرت الضغوط الحالية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن طوكيو أصبحت تفضل ضعف العملة، وإنما ربما باتت أكثر حذراً في استخدام سلاح التدخل بعدما اكتشفت أن فاعليته أصبحت محدودة مقارنة بما كانت عليه في الماضي.
بينما كان مجرد تلميح وزارة المالية اليابانية إلى إمكانية التدخل كفيلاً بإجبار المضاربين على تقليص رهاناتهم ضد الين، تغير المشهد اليوم. أصبح المتعاملون يعلمون أن الحكومة تستطيع إبطاء هبوط العملة، لكنها لا تستطيع تغيير الاتجاه الأساسي للسوق إذا بقيت العوامل الاقتصادية كما هي. تكمن المشكلة في أن قيمة العملات لا تحددها الحكومات وحدها، وإنما تحددها أيضاً فروق أسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال العالمية.
رغم أن بنك اليابان رفع أسعار الفائدة هذا الشهر، تظل الفائدة اليابانية منخفضة للغاية مقارنة بفائدة نظيرتها الأميركية. وهذا يبقي الدولار أكثر جاذبية للمستثمرين. أي ارتفاع مؤقت للين نتيجة تدخل حكومي يتحول سريعاً إلى فرصة جديدة للمستثمرين لشراء الدولار بأسعار أقل، مما يعني أن الحكومة ستتكبد خسائر فادحة لصالح المستثمرين، وهو ما يفسر سرعة تبخر أثر التدخلات الأخيرة.
السبب الأكبر لاستمرار الضغوط على العملة اليابانية لا يرتبط بالمضاربة التقليدية فقط، بل بما يعرف في الأسواق باسم Carry Trade أو تجارة الفائدة. تقوم هذه الاستراتيجية على اقتراض الأموال بالين، نظراً لانخفاض تكلفة الاقتراض في اليابان، ثم تحويلها إلى الدولار أو عملات أخرى تحقق عوائد أعلى. تُعد هذه التجارة من أكثر الاستراتيجيات ربحية في أسواق العملات، ما دام بقي الفارق في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة واسعاً.
أنفقت اليابان أكثر من 72 مليار دولار خلال أسابيع قليلة هذا العام للدفاع عن عملتها، وهو رقم غير مسبوق تقريباً في تاريخ تدخلاتها بسوق الصرف. لكن المفارقة أن هذه الأموال لم تمنع الين من العودة إلى مستويات أضعف. هنا تظهر معضلة جديدة أمام صناع القرار؛ فإذا كان التدخل السابق قد كلف هذا المبلغ الضخم ولم يغير الاتجاه إلا لفترة قصيرة، فإن أي تدخل جديد سيحتاج إلى موارد أكبر لتحقيق النتيجة نفسها.
ورغم تكهنات الأسواق، لا يوجد حتى الآن أي تصريح رسمي يشير إلى أن الحكومة اليابانية رفعت المستوى الذي تعتبره مقلقاً لسعر صرف الين. السلطات لا تعلن عادة عن خطوط حمراء محددة، بل تؤكد باستمرار أن معيارها الأساسي هو سرعة تحركات السوق وطبيعتها. لكن بقاء الدولار فوق مستوى 162 يناً من دون تدخل مباشر، رغم أنه تجاوز المستويات التي دفعت طوكيو للتحرك في السابق، يعزز الاعتقاد لدى المستثمرين بأن السلطات أصبحت أكثر تسامحاً مع ضعف العملة.
يرى محللون أن الحكومة لا ترغب في تكرار سيناريو أبريل الماضي، عندما أنفقت مليارات الدولارات لتنجح في إبطاء هبوط الين لبضعة أسابيع قبل أن تستأنف العملة مسارها النزولي. المشكلة تكمن في أن وزارة المالية اليابانية تستطيع شراء الين وبيع الدولار، لكنها لا تستطيع تغيير العامل الأساسي الذي يقود السوق. المستثمر الذي يقترض بالين بفائدة تقارب 1 في المئة ثم يستثمر في سندات أميركية بعائد يتجاوز 4 في المئة، لن يغير استراتيجيته بسبب تدخل مؤقت في سوق الصرف.
على عكس معظم الاقتصادات الكبرى، لا تزال اليابان تعيش إرث ثلاثة عقود من النمو الضعيف والانكماش. تمتلك اليابان أعلى دين عام بين الاقتصادات المتقدمة، إذ يتجاوز 240 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. أي ارتفاع سريع في أسعار الفائدة يعني زيادة مباشرة في تكلفة خدمة هذا الدين. لذلك، يواصل بنك اليابان رفع الفائدة بوتيرة بطيئة ومدروسة، حتى وإن كان ذلك يحد من قدرته على دعم العملة.
في كل مرة تؤجل فيها الحكومة التدخل، تزداد قناعة المستثمرين بأن بإمكانهم دفع الدولار إلى مستويات أعلى. هذا ما يصفه بعض المحللين بـ اختبار عتبة الألم؛ أي محاولة معرفة النقطة التي تصبح عندها السلطات مستعدة لتحمل التكلفة السياسية والمالية للتدخل. لا يتعلق الأمر فقط بمستوى 162 أو 163 يناً، بل أيضاً بسرعة التراجع وحجم التقلبات اليومية. إذا جاء ضعف الين تدريجياً، قد تفضل الحكومة الانتظار. أما إذا شهدت السوق تحركات حادة ومضاربات عنيفة، فقد يكون التدخل أكثر ترجيحاً.
منذ تسعينات القرن الماضي، شهدت اليابان تدخلات عديدة في سوق الصرف، لكن التجارب السابقة تكشف عن أن نجاحها كان دائماً مرتبطاً بوجود عوامل اقتصادية داعمة. في عام 1998، ساعدت التدخلات على استقرار الين، لأنها تزامنت مع تغيرات في السياسة النقدية العالمية. وأما التدخلات الأحادية، كما حدث في 2022 و2024 و2026، فقد نجحت في تهدئة السوق مؤقتاً، لكنها لم تتمكن من تغيير الاتجاه الأساسي للعملة. التدخل، مهما بلغ حجمه، يظل أداة لكسب الوقت أكثر منه وسيلة لعكس المسار.
يربط معظم المحللين الاتجاه المقبل للعملة اليابانية بعدة عوامل، أبرزها بيانات الاقتصاد الأميركي، ومسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي، وأي إشارات جديدة من بنك اليابان بشأن تشديد السياسة النقدية. في حال بقيت الفجوة الكبيرة في العوائد بين الدولار والين، فمن المرجح أن تستمر الضغوط على العملة اليابانية، حتى لو شهدت السوق تدخلات متقطعة من السلطات. أما إذا بدأت الفائدة الأميركية في التراجع، أو اتجه بنك اليابان إلى خطوات أكثر جرأة، فقد تتغير المعادلة تدريجياً.







