رحلة التعافي من المخدرات: دروس من قصص مؤلمة وأمل جديد

عمّان - لم يكن الشاب الأردني محمود الأسمر يتوقع أن تجلب له سيجارة حشيش واحدة في سن المراهقة 16 عامًا من المعاناة والضياع. فقد عانى محمود، الذي يبلغ من العمر 33 عامًا، من تجربة قاسية مع الإدمان بدأت في سن الـ17 عندما قدم له أحد أصدقائه الحشيش، وقد اعتقد يومها أنها مجرد تجربة عابرة.
قال محمود إن الإغراء كان يبدأ غالبًا بعبارة "جرّب.. لن يحدث شيء"، لكن الأمور تطورت سريعًا إلى إدمان استمر لسنوات. فقد خلالها عمله ودراسته وعلاقاته الاجتماعية. وأكد أن أقسى ما فقده لم يكن الوظيفة أو الدراسة، بل كان فقدان والده الذي رحل وهو يظن أن ابنه قد تعافى.
أضاف محمود بصوت يعكس حزنه: "والدي مات وهو يعتقد أنني تعافيت، لكنني كنت أكذب عليه. هذا الشعور يطاردني كل يوم ولا أريد لأحد أن يعيش هذا الشعور". من خلال تلك التجربة، وجه محمود نصيحته للمتعاطين بأهمية طلب العلاج قبل فوات الأوان، مشيرًا إلى أن الإدمان لا يسرق الصحة فقط، بل يسرق العلاقات والكرامة ويترك شعورًا بالندم.
تدرج محمود في تعاطي المخدرات منذ الحشيش إلى الكبتاغون، ثم إلى مواد أكثر خطورة. وأوضح أن الحصول على المخدرات كان أسهل في السابق، لكن الأمر أصبح أصعب اليوم مع تشديد الإجراءات الأمنية. ومع ذلك، كان قرار التعافي نابعًا من أسباب عائلية وإنسانية بعد أن كاد يفقد والدته التي طلبت منه أن يختار بين الإدمان وعائلته.
شدد محمود على أن من يتعاطى الكريستال ميث والكبتاغون يحتاج إلى علاج في مراكز متخصصة، مشيدًا بسرية الإجراءات واحترام خصوصية المرضى. واختصر نصيحته بعبارة: "اكسب نفسك وحياتك.. وروح أنت عليهم قبل ما هم ييجوك".
ولا تختلف قصة محمود عويضة كثيرًا عن قصة محمود الأسمر. يروي عويضة، الذي تعافى من المخدرات، أنه اضطر لبيع ذهب والدته وأسطوانات الغاز وملابس شقيقته لتأمين الجرعات. وعندما أدرك أنه يسير نحو الهاوية، قرر تسليم نفسه لمركز علاج الإدمان، رغم مخاوفه من الافتضاح. لكنه أُعجب بسرية الإجراءات التي اتبعت معه، حيث تم التعامل معه برقم لحماية خصوصيته.
خرج عويضة من المركز متعافيًا دون أن يُسجل بحقه أي قيد قانوني، إذ بادر بطلب العلاج بنفسه. وتظهر قصته أن الخوف من العلاج قد يكون أحيانًا أخطر من العلاج نفسه. تأتي تلك القصص بالتزامن مع إحياء اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، حيث اختارت مديرية الأمن العام الأردنية شعار "بالوعي نكسر الحلقة" كعنوان لفعالياتها التوعوية هذا العام.
تحمل الحملة رسالة للوقاية والتوعية والعلاج، مع الاستمرار في ملاحقة شبكات التهريب والاتجار. كما تنظم إدارة مكافحة المخدرات سلسلة فعاليات ومعارض توعوية في مختلف المحافظات لتعزيز وعي الشباب بمخاطر المخدرات وآثارها السلبية.
بينما تُبرز الضبطيات والأرقام حجم المواجهة الأمنية، تكشف قصص المتعافين جانبًا آخر من المعركة، جانبًا يبدأ من الخوف والوصمة الاجتماعية وينتهي أحيانًا بقرار شجاع لطلب العلاج. ومنذ عام 1993، بدأ الأردن تجربة علاج الإدمان بإنشاء أول مركز متخصص في جبل اللويبدة، والذي كان الوحيد عالميًا الذي يتبع لجهاز شرطي.
انتقل المركز في عام 2009 إلى مبنى جديد في منطقة عرجان، بزيادة سعة الأسِرّة إلى 60 سريرًا، ثم شهد توسعة جديدة في عام 2012 رفعت القدرة الاستيعابية إلى 170 سريرًا تحت إشراف كوادر متخصصة في العلاج الطبي والنفسي والتأهيل. ويقوم العلاج على مراحل تتضمن التقييم الطبي والنفسي، التعامل مع أعراض الانسحاب، وبرامج التأهيل السلوكي والنفسي.
تقدم خدمات علاج الإدمان في الأردن أيضًا من خلال مستشفى الرشيد، الذي يعد أول مستشفى نفسي في القطاع الخاص بالمملكة، ويضم أقسامًا منفصلة للرجال والنساء، بالإضافة إلى وحدة متخصصة لعلاج الإدمان. ويعتمد المستشفى نهجًا علاجيًا يوفر بيئة آمنة ورعاية متخصصة تحت إشراف فريق طبي ونفسي واجتماعي.
أكد أنس الطنطاوي، رئيس قسم الإعلام في مستشفى الرشيد، أن التشريعات الأردنية توفر حماية قانونية للراغبين في العلاج، فلا تُقام دعوى ضد من يتقدم للعلاج من تلقاء نفسه. ويشير إلى أن المخاوف المرتبطة بالوصمة الاجتماعية تراجعت مع ازدياد ثقة المواطنين بالمراكز العلاجية.
فيما تحذر الأرقام من أن جرائم المخدرات لا تزال تمثل تحديًا في الأردن. إذ أظهر التقرير الإحصائي انخفاض عدد جرائم المخدرات بنسبة 12.78% خلال العام الماضي، مع تسجيل 22,031 جريمة. كما تشير البيانات إلى أن عدد جرائم حيازة وتعاطي المخدرات بلغ 15,720 جريمة.
ومع استمرار جهود التوعية والعلاج، تبقى قصص المتعافين هي الرسالة الأقوى. بالنسبة لمحمود الأسمر، لم يكن التعافي مجرد التوقف عن التعاطي، بل كان محاولة لاستعادة حياة كاملة فقدها لسنوات. اليوم، بعد 6 أشهر من بداية جديدة، ينصح الشباب بعدم تجربة المخدرات ولو لمرة واحدة، مؤكدًا أن التعافي يستحق التجربة، بينما الإدمان لا يستحق أن تخسر حياتك من أجله.







