نكهات القديد في عاشوراء: تقليد مغربي يعكس الهوية الثقافية

تستعد خديجة للاحتفال بعاشوراء من خلال إعادة إحياء تقليد مغربي عريق يتمثل في استخدام القديد. حيث تفتح خديجة كيسا احتفظت فيه بقطع من القديد المجمد منذ عيد الأضحى، وتفحصها بعناية قبل إضافتها إلى قدر الكسكس الذي يتصاعد منه البخار في مطبخها.
وأكدت خديجة أن هذه الوجبة لا تمثل مجرد إعداد لعشاء عاشوراء، بل تعكس عادات رافقت العائلات المغربية لعقود طويلة. وكشفت خديجة للجزيرة نت أن والدتها وجدتها كانتا تحرصان سنويا على تجفيف جزء من لحم الأضحية والاحتفاظ به لهذه المناسبة، مما جعل القديد جزءا أساسيا من طقوس الأسرة وذكرياتها.
وشددت خديجة على أن نساء العائلة يجتمعن في هذه المناسبة لتحضير الطعام، بينما يرددن الأهازيج والأغاني الشعبية المرتبطة بعاشوراء، في أجواء تمتزج فيها نكهة الطعام بذكريات الطفولة وروح الاحتفال.
ويُعد القديد من أشهر طرق حفظ اللحوم في المغرب، ويتم تحضيره مباشرة بعد عيد الأضحى باختيار قطع من اللحم، غالبا من الفخذ أو الأجزاء قليلة الدهون. ويُقطع اللحم إلى شرائح طويلة ويتم تتبيلها بالملح والثوم والكمون والفلفل الأحمر والكزبرة الجافة.
وبعد أن تتشرب الشرائح التوابل، تُعلَّق تحت أشعة الشمس وفي أماكن جيدة التهوية لعدة أيام حتى تفقد معظم رطوبتها وتصبح صالحة للحفظ لأشهر طويلة. وتختلف مدة التجفيف بحسب المنطقة والظروف المناخية، لكنها قد تمتد من بضعة أيام إلى أكثر من أسبوع.
وأوضحت الأبحاث أن القديد لم يكن مجرد وسيلة لحفظ الطعام، بل أصبح جزءا من ثقافة اجتماعية مرتبطة بتدبير الموارد ومواجهة الندرة. ومع مرور الزمن، ارتبط استهلاكه بمناسبات معينة، مثل عاشوراء، حيث كان يشكل مخزونا من لحم الأضحية يُستفاد منه بعد أشهر من العيد.
وقال المؤرخ في تاريخ المطبخ المغربي هشام الأحرش إن علاقة الإنسان باللحم تعود إلى بدايات الحضارة، حيث كان اللحم من أول الأطعمة التي عرفها خلال مرحلة الصيد. ومع انتقال المجتمعات إلى الزراعة وتربية الماشية، ظهرت الحاجة إلى حفظ اللحم وتخزينه باعتباره موردا ثمينا لا يتوفر طوال العام.
وأضاف الأحرش أن اللحم في المغرب ارتبط تاريخيا بالأعياد والمناسبات أكثر من ارتباطه بالحياة اليومية، إذ كان حضوره على المائدة حدثا استثنائيا. لذلك، حرص المغاربة على الاستفادة من مختلف أجزاء الذبيحة وابتكروا طرقا لحفظ ما يتبقى منها، مثل الخليع والقديد، لضمان استمرار وجود اللحم على موائدهم بعد انتهاء مواسم الذبح.
وأفاد الأحرش أن استمرارية كثير من التقاليد الغذائية المغربية لم تكن وليدة الصدفة، بل لعبت القصور السلطانية دورا في حفظ هذا الإرث عبر المحافظة على وصفات وأطباق ظلت حاضرة في الثقافة المغربية لقرون. ورغم انتشار وسائل التبريد الحديثة، ما زال القديد يحتفظ بمكانته في كثير من المناطق المغربية.
وبين قطعة لحم جُففت عقب عيد الأضحى وطبق كسكس يُقدَّم في عاشوراء، تستمر حكاية تقليد قديم نجح في عبور الزمن. حاملا معه نكهات الماضي وذاكرة أجيال جعلت من حفظ اللحم أكثر من مجرد ضرورة معيشية، بل جزءا من الهوية الثقافية للمغاربة.







