فجوة الإعجاب: كيف نخطئ في تقييم انطباعاتنا بعد اللقاءات

تخيل أنك انتهيت لتوك من محادثة جديدة مع شخص أو حضور اجتماع عمل. في طريق عودتك إلى المنزل، تبدأ في إعادة تقييم كل ما حدث وكأنك أمام محكمة داخلية. تعيد استرجاع كل كلمة، وتحلل نبرة صوتك، وتفكر في كل تعبير قد يظهر انطباعا سلبيا. بينما في الجهة الأخرى، قد يكون الشخص الآخر يشيد بالحوار ويتمنى اللقاء مرة أخرى.
هذا التناقض في التقييم بين ما نعتقده عن أنفسنا وما يشعر به الآخرون يعرف بفجوة الإعجاب. وهي المسافة بين تقييمنا الذاتي وتقييم الآخرين لنا بعد التفاعل. الغريب أن الكثيرين يخرجون من اللقاءات مقتنعين بأنهم تركوا انطباعا سلبيا، بينما الطرف الآخر قد استمتع بالمحادثة أكثر مما يتوقعون.
أضافت الدكتورة سحر طلعت، استشارية العلاج النفسي، أن أحد الأسباب الرئيسية لهذه الفجوة هو التركيز على الأخطاء. أثناء الحوار، قد لا يلاحظ الطرف الآخر زلة بسيطة أو توقفا، لأنه مشغول بفهم الحديث أو التفكير في رده. في المقابل، بعد انتهاء اللقاء، يعيد العقل تشغيل المشهد بطريقة مختلفة، حيث يسلط الضوء على الأخطاء ويبالغ فيها.
بينت أن المشكلة تكمن في انحياز إدراكي يجعلنا نرى أنفسنا بصرامة لا نطبقها على الآخرين. لذا فإن التركيز على الأخطاء يسهم في تكوين صورة مشوهة عن الذات.
كشفت سحر أن هناك عدة عوامل تؤثر على كيفية تقييمنا لأنفسنا بعد كل حوار. أولها هو ما يسمى بالتكبير الانتقائي للأخطاء. حيث يركز العقل بعد انتهاء اللقاء على كل خطأ صغير ويتجاهل اللحظات الإيجابية التي مرت بسلاسة. وبالتالي، يحدث نوع من الفوضى في تقييمنا للذات.
وأوضحت سحر أن الأشخاص بعد أي حوار يعيشون في مستويين: ما يقولونه فعلا وما يعلق عليه صوتهم الداخلي. هذا الصوت يلتقط كل تعثر وكل جملة لم تخرج كما يجب. كما أن دماغك مبرمج على اكتشاف التهديدات الاجتماعية، لذا يحتفظ بذاكرة للأحداث المحرجة، بينما الآخرين لا يحملون هذا الأرشيف.
أشارت سحر إلى أن هذه الظاهرة تعرف بـ"متلازمة الأضواء"، حيث نعتقد أن الآخرين يلاحظون تفاصيلنا بنفس الدقة التي نلاحظ بها أنفسنا، بينما في الحقيقة هم مشغولون بأصواتهم الداخلية.
استمر النقاش حول لماذا نكذب على أنفسنا. أكدت سحر أن الكذب على الذات ليس قرارا واعيا، بل هو خدعة نفسية تحدث في الخلفية. وأوضحت أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لذلك: التركيز التلقائي على السلبيات كغريزة للبقاء، نقص المعلومات الذي يدفعنا لتأليف سيناريوهات سلبية، وهوس الأرقام بسبب تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تجعلنا نشعر بأن القبول يقاس بالأرقام.
وأشارت إلى أنه بسبب هذه العوامل، نفقد ثقتنا بأنفسنا، مما يدفعنا لاتخاذ قرارات اجتماعية بناءً على أوهام داخلية. لذا فإن الخروج من هذه الدوامة يبدأ بالاستمرار في المحاولة، حتى لو كان الصوت الداخلي يخبرك بعكس ذلك.
تحدثت سحر عن كيفية إنقاذ ثقتنا بأنفسنا، موضحة أن الأمر لا يتطلب تكرار العبارات الإيجابية، بل يتطلب إدراك أن الصوت الناقد داخلك لا يملك كل المعلومات. وأشارت إلى ضرورة عدم اعتبار الشعور السلبي بعد اللقاء دليلا على فشله، فالكثير من الأوقات يكون هذا الشعور مجرد تشويش إدراكي.
كما اقترحت سحر خطوات عملية مثل تدريب العقل على موازنة التقييم من خلال استحضار الصورة الكاملة للمحادثة، وتذكير النفس بأن الآخرين أيضا يعانون من نفس الفجوة.
في الختام، قالت سحر إن إغلاق هذه الفجوة لا يعني إيقاف التفكير، بل إعادة ضبطه. يجب علينا أن ندرك أن "فجوة الإعجاب" ليست عيبا في شخصيتنا، بل هي خلل في كيفية قراءة عقولنا للواقع الاجتماعي. بذلك يصبح من الأسهل أن نخفف من قسوتنا على أنفسنا.







