خطر الانهيار الصحي في فلسطين يهدد حياة آلاف المرضى

حذرت الحكومة الفلسطينية اليوم من اقتراب النظام الصحي من نقطة انهيار حرجة، وذلك في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتفاقم الأزمة المالية الناتجة عن احتجاز أموال المقاصة. وأكدت أن المستشفيات ومراكز الرعاية أصبحت عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمرضى في مناطق غزة والضفة الغربية.
وأضاف وزير الصحة الدكتور ماجد أبو رمضان ووزيرة الخارجية والمغتربين فارسين أغابكيان خلال إحاطة دبلوماسية في وزارة الخارجية، أن الوضع يستدعي تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي لحماية القطاع الصحي الفلسطيني. محذرين من أن استمرار الوضع الراهن يهدد حياة عدد كبير من المرضى ويقود إلى انهيار تدريجي لمنظومة الرعاية الصحية.
وقال أبو رمضان إن القطاع الصحي يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة تداخل الأزمات الإنسانية والمالية والعملياتية في مختلف الأراضي الفلسطينية. مشيراً إلى أن قدرة المؤسسات الصحية على تقديم الخدمات الأساسية تعرضت لتقويض ممنهج، وخاصة في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
وأكد أن الحق في الصحة يعتبر حقاً أساسياً تكفله المواثيق الدولية، موضحاً أن القانون الإنساني الدولي يلزم سلطة الاحتلال بضمان استمرار الخدمات الصحية وحماية المرافق والطواقم الطبية. محذراً من أن عرقلة الرعاية الصحية واستهداف البنية الطبية يثير تساؤلات جدية بشأن الالتزام بالقانون الدولي.
وأشار الوزير الفلسطيني إلى أن الأوضاع الإنسانية في غزة ما تزال تتدهور رغم إعلان وقف إطلاق النار. موضحاً أن مئات الفلسطينيين قتلوا وأصيب الآلاف منذ ذلك الإعلان، فيما تجاوز إجمالي الضحايا منذ بداية أكتوبر عشرات الآلاف بين قتيل وجريح.
ورأى أن حجم الكارثة لا يقتصر على أعداد الضحايا بل يمتد إلى الدمار الواسع الذي لحق بالبنية الصحية. إذ تعرضت المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية والمختبرات لمخاطر جسيمة أثرت على قدرتها التشغيلية.
وأوضح أبو رمضان أن نحو 47% من الأدوية الأساسية وأدوية علاج السرطان نفدت بالكامل حتى مايو الماضي. لافتاً إلى أن آلاف المرضى باتوا عاجزين عن الحصول على العلاج اللازم، بما في ذلك مرضى السرطان وغسيل الكلى والنساء الحوامل والأطفال المصابين بأمراض مزمنة.
وأضاف أن الأزمة الصحية تجاوزت حدود الخدمات العلاجية لتتحول إلى حالة طوارئ صحية عامة، نتيجة تدمير شبكات المياه وتكدس النفايات والاكتظاظ في مراكز النزوح. الأمر الذي يزيد من مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة بين السكان، خاصة الأطفال وكبار السن.
وفي الضفة الغربية، قال الوزير إن القيود المفروضة على الحركة وإغلاق الطرق وتصاعد اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية تزيد من صعوبة وصول المرضى والطواقم الطبية إلى المرافق الصحية. كما تعيق نقل الأدوية والمستلزمات الأساسية.
وأضاف أن تأخير سيارات الإسعاف ومنع المرضى من الوصول إلى مواعيدهم العلاجية يشكل تهديداً مباشراً على حياة المرضى، إذ قد تتحول دقائق التأخير إلى خسائر بشرية أو إعاقات دائمة.
كما لفت إلى أن الفلسطينيين يواجهون أزمة نفسية عميقة بفعل العنف المستمر والنزوح والخوف. مشيراً إلى أن آثار الصدمات النفسية ستستمر سنوات طويلة حتى بعد انتهاء المظاهر المباشرة للأزمة.
وركز أبو رمضان على الجانب المالي للأزمة، موضحاً أن استمرار احتجاز أموال المقاصة أدى إلى اختناق مالي غير مسبوق يهدد استدامة الخدمات الصحية، في وقت بلغت فيه الديون المتراكمة على القطاع الصحي مستويات قياسية.
وأوضح أن إجمالي المديونية تجاوز 3.8 مليارات شيكل (نحو مليار دولار)، تشمل مستحقات للمستشفيات الخاصة ومستشفيات القدس الشرقية وشركات الأدوية. ما انعكس مباشرة على قدرة الوزارة في تأمين العلاجات والخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن أكثر من 726 صنفاً دوائياً وصل مخزونه إلى الصفر، محذراً من أن أكثر من أربعة آلاف مريض سرطان يواجهون خطراً مباشراً بسبب انقطاع العلاج. بالإضافة إلى مرضى الكلى والأمراض المزمنة.
وأضاف أن الأزمة المالية تسببت في تأجيل آلاف العمليات الجراحية وتعطيل خدمات الرعاية الأولية في مئات المراكز الصحية. فضلاً عن تقليص ساعات العمل وتراجع القدرة التشغيلية للمستشفيات الحكومية.
وأكد أن أقسام الطوارئ أصبحت تستقبل أعداداً متزايدة من المرضى نتيجة تعليق خدمات أخرى، مما يهدد قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وحذر الوزير من أن المؤسسات الصحية الخاصة والأهلية التي تشكل جزءاً أساسياً من المنظومة الصحية تواجه أزمة استدامة حادة بسبب تأخر المستحقات المالية، مما دفع بعضها إلى تقليص خدماته وخفض عدد العاملين فيه.
ورغم ذلك، شدد أبو رمضان على أن وزارة الصحة تواصل تطبيق إجراءات طوارئ للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات المنقذة للحياة. ولكنه أكد أن هذه الإجراءات لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن التمويل المستدام، معتبراً أن "الانهيار البطيء يبقى انهياراً".
من جانبها، قالت وزيرة الخارجية والمغتربين فارسين أغابكيان إن حماية القطاع الصحي الفلسطيني باتت ضرورة ملحة لا تقل أهمية عن حماية الفلسطينيين أنفسهم. مؤكدة أن ما يتعرض له هذا القطاع يأتي ضمن استهداف أوسع للمؤسسات الفلسطينية.
وأضافت أن الشعب الفلسطيني مصمم على البقاء رغم الظروف الصعبة، لكنه ينتظر من المجتمع الدولي القيام بمسؤولياته القانونية والأخلاقية. مطالبة بالإفراج عن أموال المقاصة واتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات وإنهاء الاحتلال.
كما حذرت الوزيرة من أن انهيار القطاع الصحي لن تقتصر تداعياته على فلسطين وحدها، بل ستمتد إلى المنطقة بأسرها.







