حكومة مصر تسعى لتهدئة الجدل حول قانون الأسرة من خلال لجنة مشتركة

تسعى الحكومة المصرية إلى احتواء الجدل المستمر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، مؤكدة استعدادها التام لأي تعديلات في هذا الصدد. كما اقترحت تشكيل لجنة مشتركة تضم أعضاء من البرلمان والتنفيذيين لإعادة صياغة القانون، بعد استشارة الأطراف المعنية بما في ذلك الأزهر، وفقاً لما صرح به رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي.
وأضاف مراقبون أن مقترح الحكومة يهدف إلى تهدئة الرأي العام، غير أنه لا يقدم جديداً في مسار العمل، خاصة بعد إحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب. إذ يتبع إعداد المشاريع عادةً خطوات تشمل الاستماع إلى آراء الجهات المعنية واستدعاء الوزارات المختصة، ثم إعادة صياغة المواد وفق ما يتم التوصل إليه.
وكانت الحكومة قد نفت في وقت سابق سحب مشروع القانون من البرلمان، حيث أكدت وزارة الشؤون النيابية أن الحكومة قد قامت بدورها بتقديم المشروع رسمياً إلى مجلس النواب، الذي بات الآن تحت ولايته التشريعية. ووصفته بأنه خطوة أولى نحو صياغات متوازنة تحقق الأهداف المرجوة من مثل هذه القوانين.
وخلال مؤتمر صحافي، أكد مدبولي على أهمية هذا القانون، مشدداً على حساسيته، قائلاً إن الحديث يدور بين معسكرين متعارضين في المصالح، وأي مادة قد تفهم على أنها تنحاز لأحد الجانبين ستثير استياء الآخر. وأوضح أنه يقترح أن تُشكل لجنة مشتركة من مجلس النواب والحكومة لصياغة المواد بالشكل المناسب، مشيراً إلى أن الحكومة تدرك أن ما قدمته ليس مسودة نهائية وأن الأمر سيتطلب وقتاً للنقاش.
وانتقد العديد من النشطاء طريقة إعداد الحكومة للمشروع دون استشارة الأزهر، معتبرين المشروع مرفوضاً ومخالفاً للشرع، وذلك في تعليقات على المؤتمر الصحافي الذي نشر عبر الصفحة الرسمية لرئاسة الوزراء.
وعلق النائب ضياء الدين داوود على الاقتراح الحكومي، مشيراً إلى أن تشكيل لجان مشتركة ليس أمراً جديداً، بل يحدث عادة في مشاريع القوانين الكبيرة مثل الأحوال الشخصية. ولفت إلى أن الأمر يخضع لإدارة اللجان المختصة التي تستدعي ممثلي الحكومة المعنيين وتستمع إلى آراء جميع الأطراف ذات الصلة، بما في ذلك الأزهر.
وشدد داوود على أهمية تقدير الأزهر وإمامه من قبل المجلس، مشيراً إلى أنه لا يمكن أن يُصاغ القانون دون أخذ رأي الأزهر، وفقاً للمادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع.
وأثارت مواد مشروع القانون جدلاً واسعاً، خصوصاً مع إدخال مواد اعتبرها البعض مخالفة للشرع، مثل تقييد الطلاق خلال السنوات الثلاث الأولى إلا بحكم محكمة، أو إمكانية فسخ عقد الزواج خلال ستة أشهر إذا تبين أن أحد الطرفين أخفى عيباً أصيلاً. كما تناول المشروع موضوع الطلاق الشفهي، مشدداً على ضرورة توثيقه خلال 15 يوماً من النطق به.
وتعززت المخاوف بعد بيان الأزهر في 20 مايو الماضي، والذي أشار إلى أنه لم يتلقَ نسخة من مشروع قانون الأحوال الشخصية، مما فسره البعض على أنه يعبر عن استياء المؤسسة الدينية.
وفي تعليقه على الموضوع، قال العالم الأزهري أستاذ الفقه المقارن عبد الحليم منصور إن النظر إلى مشروعات قوانين الأحوال الشخصية يجب أن ينطلق من مبدأ أن الأسرة ليست شأناً فردياً فحسب، بل هي مؤسسة اجتماعية تمس استقرار المجتمع. لذا، يجب أن يوازن أي تعديل تشريعي بين الأحكام الشرعية ومتطلبات الواقع المعاصر.
ورأى منصور أن المواد المثيرة للجدل يمكن أن تحظى بتخريجات تتماشى مع الرأي الشرعي والمصلحة المجتمعية، كما في اقتراح توثيق الطلاق الشفهي. وأكد على ضرورة إجراء حوار علمي هادئ يشارك فيه المؤسسات الشرعية مثل الأزهر ودار الإفتاء والجهات القانونية والاجتماعية للوصول إلى حلول متوازنة.
ولا يعتبر مشروع قانون الأحوال الشخصية الحالي الأول من نوعه، إذ يجري الحديث عن إصدار تشريع شامل لشؤون الأسرة منذ سنوات. وقد تم عرض نسخة سابقة على الأزهر في عام 2019، لكن المشروع لم ينجح في الخروج للنور.
وعاد الجدل حول التشريع الأسري كضرورة ملحة بعد توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أبريل الماضي بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين إلى البرلمان.
ورغم ذلك، لا يستبعد النائب ضياء الدين داوود إمكانية تعثر مشروع قانون الأحوال الشخصية مجدداً، ما لم تتخلص جميع الأطراف المعنية والنواب من الضغوطات المتنوعة عند مناقشته، مشدداً على أهمية تناوله بتجرد لصالح المجتمع.
وأضاف أن المجلس سيستمع إلى آراء جميع المعنيين، وسيكون هناك ممثلون من الحكومة والنيابة العامة ونقابة المحامين والمؤسسات الحقوقية خلال النقاش، مؤكداً على ضرورة أن يتحرر المجلس من التجاذبات الخارجية لتطوير تشريع يعبر عن القواعد العامة والمجردة.







