تحولات سكانية تعيد تشكيل مستقبل تونس

تشهد تونس تحولات ديمغرافية ملحوظة تعيد رسم ملامح المجتمع. حيث تكشف الأرقام الرسمية عن ارتفاع نسبة كبار السن في البلاد بشكل غير مسبوق، مما يثير القلق بين المختصين حول تأثير ذلك على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
وقد أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة السكان الذين تجاوزوا سن الستين ارتفعت إلى نحو 16.9% من إجمالي السكان، مقارنة بنحو 11.38% في عام 2014. ويعكس هذا التحول الانتقال التدريجي للبلاد من مجتمع فتي إلى مجتمع يتقدم في العمر.
واعتبرت الأستاذة المختصة في علم السكان سناء مقيرة أن هذا التغير يعكس مرحلة متقدمة من الانتقال الديمغرافي. حيث أكدت أن تراجع معدلات الخصوبة إلى مستويات أقل من عتبة تعويض الأجيال أدى إلى تقليص قاعدة الهرم السكاني.
وأوضحت مقيرة أن المؤشرات الحالية تشير إلى أن نسبة كبار السن قد تتجاوز 20% في السنوات القادمة إذا استمرت الاتجاهات الحالية. ويعكس هذا التحول بنيويا عميقا في التركيبة السكانية، مما يستدعي استجابة شاملة من الدولة.
وتعاني تونس حاليا من تباطؤ في النمو الديمغرافي، مع تراجع عدد الفئات الشابة وارتفاع نسبة الشيخوخة، مما قد يؤدي إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة. ويشير المختصون إلى ضرورة تبني سياسات اجتماعية موجهة لكبار السن، تشمل مؤسسات الإيواء والرعاية الصحية.
كما تسعى الحكومة إلى توفير منحة شهرية للأسر التي تعتني بكبار السن. لكن المختصين يحذرون من أن هذه التدابير لا تكفي لمواجهة التحديات المتزايدة.
وتظهر آثار الشيخوخة بشكل واضح في المنظومة الصحية، حيث تزداد الحاجة إلى متابعة الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في السن. ويشير الأطباء إلى أن الأمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم أصبحت شائعة بشكل متزايد بين كبار السن، مما يفرض ضغطا على المستشفيات والخدمات الصحية.
ورغم أن نسبة كبيرة من كبار السن يتمتعون بتغطية صحية، فإن تحديات المنظومة الصحية تتزايد، خاصة مع تزايد الطلب على الخدمات ونقص الاختصاصات في طب الشيخوخة.
وتعكس معطيات المعهد الوطني للإحصاء تراجع معدل الخصوبة إلى نحو 1.7 طفل لكل امرأة، مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى أكثر من 76 سنة. وهو ما يعني أن نمو فئة كبار السن أصبح أسرع من نمو الفئات الشابة، مما يعيد تشكيل الهرم السكاني في اتجاه مجتمع يزداد تقدما في السن.
ويمتد تأثير الشيخوخة إلى سوق العمل وأنظمة التقاعد، حيث يعتمد نظام الضمان الاجتماعي على مساهمات العاملين لتمويل جرايات المتقاعدين. ويشير الخبراء إلى تدهور العلاقة بين المساهمين والمنتفعين، حيث انخفض عدد المساهمين لكل متقاعد بشكل ملحوظ.
كما أن ارتفاع أمد الحياة أدى إلى تمديد فترة الانتفاع بالتقاعد، مما يزيد من الضغوط المالية على الصناديق، في ظل محدودية خلق فرص عمل جديدة.
ويترافق التهرم السكاني مع هجرة الكفاءات، مما يزيد من تعقيد الوضع. ويرى المختصون أن هذا النزيف البشري يضاعف من تأثير التحول الديمغرافي على السوق الداخلية.
ورغم التحديات، يرى المختصون أن الاستثمار في قطاع خدمات كبار السن يمكن أن يفتح مجالا اقتصاديا جديدا، يعرف بـ"اقتصاد الفضة"، مما يساهم في خلق فرص عمل جديدة وتحويل جزء من عبء الشيخوخة إلى فرص اقتصادية.
ومع اقتراب تونس من عتبة المجتمع المسن، يواجه البلاد تحديات بنيوية تحتاج إلى رؤية شاملة تشمل دعم الأسرة وتحفيز الإنجاب وإصلاح أنظمة التقاعد.







