اضطرابات تهز أسواق السندات العالمية وسط مخاوف التضخم وتذبذب الطاقة

عادت أسواق السندات العالمية إلى دائرة الاضطرابات خلال شهر مايو، وذلك مع تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالازمة الايرانية، وفي ظل هذه الظروف وجد المستثمرون أنفسهم في مواجهة تحديات متعددة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الضغوط التضخمية، فضلا عن احتمالات تشديد السياسة النقدية.
ودفعت هذه التطورات عوائد السندات إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، ما أدى إلى إعادة تقييم التوقعات بشأن مسار أسعار الفائدة العالمية، وسط مخاوف متزايدة من تباطؤ اقتصادي يتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم.
ورغم أن بوادر التقدم في محادثات السلام بين واشنطن وطهران ساهمت في تهدئة الأسواق بشكل جزئي، فإن تقلبات شهر مايو كشفت عن مدى هشاشة التوازن المالي العالمي، وأظهرت أن المستثمرين لا يزالون يتعاملون بحذر شديد مع بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع حجم الديون، وتذبذب أسعار الطاقة، وتزايد الشكوك حول قدرة البنوك المركزية على احتواء التضخم دون التأثير سلبا على النمو الاقتصادي.
وفي الولايات المتحدة، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاما إلى حوالي 5.2 بالمئة في 20 مايو، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007، وذلك في ظل اضطرابات كبيرة شهدها سوق الدين الأميركي، وجاءت هذه التحركات نتيجة لتعثر محادثات السلام وارتفاع أسعار النفط مرة أخرى لتتجاوز 110 دولارات، بالإضافة إلى بيانات تضخم أميركية قوية.
وفي المقابل، سجلت أسواق السندات في بريطانيا واليابان وألمانيا مستويات قياسية أو قريبة من القياسية، حيث بلغ عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له منذ عام 2011، وفقا لرويترز.
وقال ديفيد زان، رئيس قسم الدخل الثابت الأوروبي في فرانكلين تمبلتون، إن السوق تشعر بالقلق من أن التضخم قد يستمر لفترة أطول مما كان متوقعا.
لكن الضغوط بدأت في التراجع لاحقا مع انخفاض أسعار النفط وتزايد التفاؤل بشأن تقدم المفاوضات بين واشنطن وطهران، إضافة إلى بيانات اقتصادية أضعف، خاصة في أوروبا، ما قلل من احتمالات تشديد السياسة النقدية بشكل أكبر.
وأظهرت بيانات حديثة أن النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو انكمش بأسرع وتيرة له منذ عامين ونصف العام في مايو، متأثرا بارتفاع تكاليف الطاقة.
وقال نيكولاس فورست، كبير مسؤولي الاستثمار في كاندريام، إن مستويات العوائد الحالية باتت أكثر جاذبية للمستثمرين، في حين أن تباطؤ النمو يدعم أسواق السندات.
وفي المقابل، برزت الولايات المتحدة كاستثناء نسبي، إذ تفوقت على أسواق السندات الأخرى خلال مايو، فقد ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات بنحو 6 نقاط أساس بين 30 أبريل و29 مايو، في حين تراجعت العوائد الألمانية بنحو 6 نقاط أساس.
ورغم تراجع التوقعات الأوروبية برفع أسعار الفائدة، حافظ الاقتصاد الأميركي على قوته مدعوما بطفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على خفض الفائدة هذا العام.
كما أظهرت بيانات ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي بنسبة 3.8 بالمئة على أساس سنوي في أبريل، وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات.
وفي بريطانيا، واجهت سوق السندات ضغوطا إضافية، إذ ارتفعت عوائد السندات لأجل 30 عاما إلى 5.87 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ عام 1998، قبل أن تتراجع لاحقا مع تحسن شهية المخاطرة وتوقعات سياسية أكثر انضباطا ماليا.
وقال ماثيو أميس، مدير الاستثمار في أبردين، إن تحولات تسعير أسعار الفائدة في بنك إنجلترا كانت المحرك الرئيسي لتحركات السندات البريطانية، إضافة إلى التقلبات السياسية التي زادت من الضغوط.
كما اشار محللون إلى أن ارتفاع العوائد الحقيقية في الولايات المتحدة وأوروبا يعكس أن المخاوف لم تعد تقتصر على التضخم فقط، بل تمتد إلى تدهور الأوضاع المالية العامة.
واضاف بعض المستثمرين أن الجدل حول استقلالية السياسة النقدية في الولايات المتحدة زاد من حساسية السوق، في ظل مخاوف من أي تحولات سياسية قد تؤثر على قرارات الاحتياطي الفيدرالي.







