لندن تواجه تحديات اقتصادية تهدد مكانتها المالية وتثير قلق بريطانيا

تواجه لندن، بعد سنوات من تصدرها المشهد الاقتصادي العالمي، تباطؤا متزايدا يهدد مكانتها كمحرك رئيسي لاقتصاد المملكة المتحدة، وذلك في ظل تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والعمل عن بعد، وارتفاع تكاليف المعيشة.
وقال غابرييل غونزاليس، مالك مطعم "ليما" المتخصص بالمطبخ البيروفي لصحيفة فايننشال تايمز، إن لندن خلال أولمبياد 2012 كانت تقريبا مركز العالم، مضيفا أن مطاعم منطقة فيتزروفيا غرب العاصمة كانت مكتظة تعج بالحياة أيام الجمعة.
لكن المشهد تغير اليوم بصورة واضحة، إذ باتت المطاعم شبه خالية في أوقات الذروة، ويرى غونزاليس أن النمو الاقتصادي استقر بعد تصويت بريكست عام 2016 (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، قبل أن تؤدي تداعيات جائحة فيروس كورونا وارتفاع التكاليف إلى جعل لندن أكثر هدوءا.
وأوضح أنه بات يفضل البحث عن شركاء لكي يوسع نشاطه ولكن في دبي أو زيورخ أو مدريد بدلا من لندن.
ورغم أن لندن لا تزال تولد نحو ربع الناتج الاقتصادي البريطاني و20% من الايرادات الضريبية للبلاد، فان اقتصاد العاصمة البريطانية سجل خلال السنوات الاربع حتى نهاية عام 2023 نموا يعادل 10% من معدل النمو الذي كان يحققه قبل عقدين.
كما تباطأ نمو سكان لندن بشكل حاد، وتراجعت اسعار المنازل ومستويات التوظيف، متاثرة بتداعيات الجائحة وازمة غلاء المعيشة.
وأظهرت بيانات حديثة ان عدد سكان منطقة لندن ارتفع بنسبة 2.3% فقط خلال السنوات الخمس حتى عام 2024، مقارنة بنمو بلغ 8.2% في السنوات الخمس السابقة لاولمبياد لندن.
وفي استطلاع اجرته صحيفة فايننشال تايمز، قال احد العاملين في حي المال والاعمال ان لندن كانت قبل 10 سنوات وجهة، اما الان فهي مجرد حل مؤقت، بينما ابدى 4 من كل 10 مشاركين في الاستطلاع رغبتهم بمغادرة بريطانيا.
ويرى خبراء ان تراجع جاذبية لندن يمثل تهديدا لبريطانيا ككل، نظرا للدور المحوري الذي تلعبه العاصمة في تمويل الاقتصاد البريطاني.
ويقول استاذ الادارة المحلية في كلية لندن للاقتصاد توني ترافرز ان ضمان استمرار لندن في التفوق على المدن الاوروبية الاخرى كان يجب ان يكون اولوية قصوى، لكنه ليس كذلك.
واضاف ترافرز ان صناع القرار اعتبروا لندن امرا مسلما به، رغم ان الايرادات التي تحققها اساسية للحكومة البريطانية من اجل تمويل الخدمات العامة.
وينبه الرئيس التنفيذي لمركز المدن البحثي اندرو كارتر الى ان عدم نمو لندن يمثل مشكلة وطنية.
ويؤكد محللون ان تباطؤ لندن لا يعود الى سبب واحد، بل الى سلسلة صدمات متتالية بدات بالازمة المالية العالمية عام 2008، ثم تعمقت بعد استفتاء بريكست، قبل ان تتفاقم مع جائحة كورونا.
وتضررت قطاعات المال والخدمات من التوترات التجارية في العاصمة البريطانية بعد بريكست، بينما تواجه شركات الضيافة والمطاعم ارتفاع الضرائب والاجور وتراجع الاقبال نتيجة استمرار العمل من المنزل، خاصة ايام الجمعة.
ويقول ليام سايدز من مؤسسة اوكسفورد ايكونوميكس للابحاث الاقتصادية ان سكان لندن اصبحوا يشعرون بانهم افقر، مشيرا الى ان ارتفاع اسعار العقارات والضرائب، كما ان قروض الطلاب تضغط بقوة على الطبقة المتوسطة والعمال الشباب.
واضاف سايدز ان لندن اصبحت اكثر تكلفة خلال السنوات الست الماضية، كما ان فوائد الاستثمار فيها تراجعت.
ورغم استمرار لندن في احتلال المرتبة الثانية عالميا بعد نيويورك في تصنيف اوكسفورد ايكونوميكس للمدن العالمية، فانها تواجه منافسة متزايدة من مدن بريطانية مثل مانشستر، التي سجلت نموا اسرع في الانتاجية والسكان واسعار العقارات منذ عام 2016.
كما خسرت بعض القطاعات الاقتصادية في لندن جزءا من مكانتها لصالح مدن اوروبية اخرى مثل امستردام ودبلن وفرانكفورت وميلانو.
ويقول خبراء ان ازمة السكن تمثل احد ابرز اسباب تراجع جاذبية لندن، في ظل فشل الحكومات المتعاقبة في توفير مساكن ذات تكلفة ميسرة.
ورغم الصورة القاتمة، لا تزال السلطات المحلية تراهن على قدرة لندن على التعافي بفضل تنوع اقتصادها ومكانتها العالمية.
وقال هوارد دوبر، نائب رئيس بلدية لندن لشؤون الاعمال، ان المدينة لا تزال تجذب شركات التكنولوجيا والخدمات المالية بفضل الجامعات والكفاءات البشرية التي تتوفر عليها.
واضاف دوبر ستكون هناك 4 او 5 مراكز عالمية كبرى بحلول عام 2050، معتبرا ان المدن الاكثر نجاحا ستكون تلك التي تمتلك اكبر تنوع اقتصادي ونحن ونيويورك نمتلك هذا التنوع.
ويقول استاذ الادارة المحلية في كلية لندن للاقتصاد توني ترافرز ان لندن مرت بازمات كثيرة عبر تاريخها الطويل، ولكن كانت دائما تنجو منها.







