استعادة التوازن النفسي: خطوات مستوحاة من الرياضيين لمواجهة ضغوط الحياة

قد تبدو بعض الطقوس التي يمارسها الرياضيون المحترفون قبل المنافسات غريبة للبعض، فمنهم من يهز ساقيه بعصبية، ومنهم من يصفع كتفيه وصدره بحماس، وآخرون يفضلون إغماض أعينهم والتنفس بعمق، لكن هذه الحركات والطقوس ليست مجرد خرافات، بل هي تعبير عن وعي عميق بالجسد ودوره في تحقيق الثبات والتركيز في أصعب اللحظات.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكننا الاستفادة من هذه الحكمة الجسدية التي يمتلكها الرياضيون المحترفون، وكيف يمكننا تطبيقها في حياتنا اليومية لنصبح أكثر هدوءا وقدرة على مواجهة التحديات؟
ينقسم الوعي بأجسادنا إلى قسمين رئيسيين: الوعي الخارجي الذي يتعلق بما نلمسه ونشمه ونبصره، والوعي الداخلي الذي يمكننا من إدراك إشارات الجهاز العصبي والأعضاء الداخلية، مثل نبضات القلب والتنفس والتعب، والبعض منا يتمتع بقدرة فائقة على قراءة هذه الإشارات الداخلية، وتنظيم المشاعر الناتجة عن الضغط والإرهاق، واستعادة التوازن الداخلي لاتخاذ القرارات الصائبة والتكيف مع الظروف الجديدة باستمرار، ولهذا السبب تراهم أكثر هدوءا في ردود أفعالهم، وتُصنف هذه القدرة على الوعي الداخلي بأنها "حاسة ثامنة" قابلة للتطوير.
حاول فريق من علماء النفس الرياضي وفسيولوجيا الجهد البدني في جامعة "سوانسي" البريطانية التمييز بين حدة الحساسية الداخلية والدقة في ملاحظتها، وذلك في دراسة موسعة بعنوان "اختلافات الوعي الداخلي بين عدائي سباقات السرعة والمسافات الطويلة".
نُشرت الدراسة في مجلة "بلوس ون"، وتتبع الباحثون فيها أداء أمهر العدائين عبر اختبارات دقيقة لمدى إدراكهم لدقات قلوبهم واستجابتهم النفسية تحت الضغط، وقارنوا النتائج بغير الرياضيين.
خلص الباحثون إلى أن العدائين يتمتعون بقدرة أعلى على توجيه انتباههم إلى داخل أجسادهم والثقة في إشاراتها، إذ ظلوا واعين لنبض قلوبهم مهما ارتفع ضجيج المدرجات، وهي ميزة ترتبط بمناطق عصبية مثل القشرة الجزيرية والقشرة الحزامية الأمامية.
كان الفارق بين العدائين أنفسهم واضحا، فسجل عداءو السرعة مستويات عالية في الوعي بعواطفهم وضبط انتباههم مقارنة بعدائي المسافات الطويلة، في حين تدهور أداء غير الرياضيين لتجاهلهم إشارات التعب.
وأوضح باحثون يابانيون كيف يمكن لوعينا الداخلي حماية الجسد من الانهيار، في دراسة بعنوان "دور الوعي الداخلي في الجري: رؤى للتقييم المتعدد الأبعاد للوعي الجسدي".
ونشرت "المجلة الدولية لعلم نفس الرياضة" تلك الدراسة، واستخدم الباحثون بكلية "طوكيو النسائية للتربية البدنية" نسخة يابانية من مقياس متعدد الأبعاد للوعي الداخلي الذي يقيس أبعادا مثل التعب والتنفس والشد العضلي والعواطف والانتباه، وشاركت 69 طالبة في الدراسة بالجري لمسافة 800 متر، وخضعن لتقييم وعيهن عبر استبيان علمي واختبارات زمنية.
وخلصت الدراسة إلى أن العداءات اللواتي قرأن إشارات أجسادهن ووثقن بها ملن إلى توزيع جهدهن بذكاء، فخففن من سرعتهن قبل الوصول إلى لحظة الانهيار، بينما واصلت الأخريات الركض حتى انهرن فجأة.
تصدر لاعب التنس نوفاك ديوكوفيتش التصنيف العالمي للاعبي التنس المحترفين طويلا، واشتهر في الملعب بتنطيط الكرة وإغماض عينيه لثوان ثم تثبيت قدميه على الأرض مع أنفاس عميقة قبل أن يضرب الكرة بسرعة البرق.
وفي بث مباشر عقب بطولة ويمبلدون، عدّ ديوكوفيتش المنافسة معركة داخلية متصلة تفوق ما يدور خارج جسده، وصرح بأن التنفس الواعي أهم عناصر نجاحه، فيستعيد به سيطرته إذا تشتت أو هاجمته مشاعر سلبية.
وذلك تحديدا ما طبقه بعدما هاجمه الجمهور في ويمبلدون العام الماضي، فجلس يتحسس حجابه الحاجز ليرخي توتره بينما تنفس عميقا.
التقى ديوكوفيتش ورفاييل نادال في 60 مباراة، ووصف الجمهور سلوكيات الأخير بالقهرية، فيرونه يرتب زجاجات المياه وملابسه ويجفف عرقه ثم يقف ليسدد الكرة.
يفسر علم الأعصاب السلوكي تلك الأفعال المكررة بنظام داخلي يمنح الدماغ شعورا بالسيطرة وسط أحداث متقلبة، فحين يكرر الأفعال نفسها كل مرة يُكوّن الدماغ رابطا بينها وبين الحالة المتزنة فيهدأ القلق.
يجمع السباح مايكل فيلبس صاحب الرقم القياسي في عدد الميداليات الأولمبية الذهبية التي حملها بين حركات خفيفة مكررة وتنفس عميق، فتراه واقفا على منصة الانطلاق يؤرجح ذراعيه إلى ظهره ويضرب صدره وكتفيه ويأخذ أنفاسا عميقة متتالية.
يُسمى ذلك بالإحماء العصبي- العضلي فينبه الأعصاب في القفص الصدري والحجاب الحاجز ويمنع انكماشها عند ملامسة الماء البارد، أما أرجحة ذراعيه وضرب عضلاته فتفرغ توتر الرقبة والأكتاف قبل القفزة الأولى، وتنشط تلك الحركات الخفيفة المتكررة الجهاز العصبي "الباراسمبثاوي".
أما حركات العداء يوسين بولت قبل انطلاقه في سباق الجري فليست إحماء، لكنه يهز جسده بقوة وسرعة ليرسل إشارة لجهازه العصبي بأن "لا داعي للتوتر، فها هي عضلاتي رخوة".
لكن الملاكمين نراهم من خلف أقنعتهم يفتحون ويغلقون فكوكهم بسرعة بينما يقفزون في الهواء ويرفعون أكتافهم وينزلونها، ليزيدوا مرونة العصب الحائر ويدخلوا حالة من التأهب المسترخي، فلا يريدون لعضلاتهم أن تتصلب ولا لعقلهم أن يتوقف عن اتخاذ قرارات سريعة.
إليك بعض النصائح التي يمكنها مساعدتك في رفع درجة إنصاتك إلى داخلك وتزيل عن جسدك آلام التوتر قبل المواقف المهمة:
- درب أذنك الداخلية: ضع يدك على صدرك أو أعلى بطنك وأغمض عينيك وحاول عد دقات قلبك في صمت لـ 20 ثانية ثم قارن نتيجتك بنتيجة المؤقت، ليس الهدف هنا تخمين رقم صحيح بل تعويد دماغك على الالتفات إلى ذلك الصوت، مع تكرار ذلك التمرين يوميا لعدة أسابيع ستلحظ أن إحساسك بالنبض يزداد وضوحا وستلمح تسارعه في بداية التوتر.
- راقب أنفاسك: خصص دقيقة تراقب فيها أنفاسك كما هي بلا محاولة تغيير، فقط راقب دخول الشهيق وخروج الزفير وعُدَّ عدد الأنفاس في دقيقة واحدة، لاحظ إن كانت أنفاسك قصيرة متلاحقة أم عميقة هادئة وحاول تفسير السبب، حاول بعد ذلك أن تطلق زفيرا طويلا وبطيئا كأنما تمدد خيطا حتى ارتخاء عضلات بطنك كلها.
- تفقد جسمك: لا يسكن القلق رؤوسنا وحدها بل في عضلات الرقبة والكتفين والفك وأسفل الظهر أيضا، ويفيدنا تمرين "تفقد الجسد" في تبينه في عضلاتنا بأن تجلس في هدوء وتغمض عينيك وتمرر انتباهك ببطء من الرأس إلى القدمين كأنما تمسح جسدك بكفك متوقفا لثوان عند كل جزء، وحينئذ اسأل نفسك: هل ثمة شد أو ثقل؟
- روتين التهدئة: حول وعيك بجسدك إلى أفعال تتبع شعورك بتوتر عضلاتك وابتكر روتين تهدئة تمارسه يوميا ليكون عونا لك إذا توترت فتستعيد توازنك، وليكن ترتيب أدواتك على الطاولة أو كتابة جملة قصيرة مطمئنة في رأس الورقة أو الوقوف لثوان مع ضمّ الكفين إلى الصدر ثم فتحهما.
- حرر جسدك: دع جسدك يتمايل يمينا ويسارا في أثناء جلوسك أو هز قدميك فهي حركات مهدئة للدماغ، كذلك تمنع عنك حركات مثل نفض الأيدي والتنهد العميق تصلب عضلاتك بعد ضغط طويل وتُعد أسرع طريقة بيولوجية لتهدئة الجهاز العصبي في 30 ثانية، ناهيك عن التمدد في بداية اليوم أو بعد الجلوس طويلا على المكتب.
حركات سريعة: تحتاج 30 ثانية من هز الأكتاف لتخفيف شد الرقبة والكتفين، ورجة منك لجسدك كمن ينفض عن نفسه الماء لثوان لتحرر الطاقة السلبية داخلك، وإذا كنت متوترا أو خائفا فضم ذراعيك بحيث تعانق كتفيك ثم ربت ببطء وبالتناوب على كل كتف بباطن الكف بينما تتنفس عميقا.







