بين المنفى والوطن مؤرخ فلسطيني يروي تفاصيل النكبة و حق العودة

في ذكرى النكبة يستعرض المؤرخ الفلسطيني سلمان ابو ستة رحلة تهجيره ومعاناته في المنفى واصفا اياها بانها خصومة شخصية مع مؤسس دولة اسرائيل ديفيد بن غوريون الذي قدم الى فلسطين من بولندا.
وجمع ابو ستة في مقال مؤثر نشره في موقع ميدل ايست مونيتور بين تجربته الشخصية والشهادة التاريخية والحجة السياسية والدراسة الديموغرافية للدفاع عن حق العودة المكفول للفلسطينيين بالقانون الدولي.
ويستهل ابو ستة مقاله باعلان واضح قائلا اصبحت لاجئا منذ 28489 يوما وولدت في قرية معين ابو ستة التابعة لقضاء بئر السبع على بعد 30 كيلومترا جنوب شرقي غزة مشيرا الى ان عائلته متجذرة في الارض منذ اكثر من مئتي عام.
وفي سن العاشرة وبينما كان يدرس في مدرسة داخلية ببئر السبع عام 1948 طلب منه العودة الى منزله بسبب تصاعد هجمات العصابات الصهيونية وبعد اسابيع قليلة هاجم افراد عصابة الهاغاناه قريته ودمرت البيوت والمباني وهدمت المدرسة التي بناها والده عام 1920 ويقول في ذلك اليوم اصبحت لاجئا.
ويصور المقال بن غوريون ليس فقط كخصم سياسي بل كرمز لتجسيد اقتلاع الفلسطينيين من ارضهم ويكرر ابو ستة المقارنة بين منفاه القسري وهجرة بن غوريون الطوعية من بولندا الى فلسطين ويكتب انها حكاية رحلتين رحلة رجل بولندي هو ديفيد بن غوريون جاء ليقتل ويهجر اصحاب الارض ويدفن في مدينتهم ورحلتي انا الذي طردت من المعين واصبحت لاجئا في كندا على بعد عشرة الاف كيلومتر.
ويقول ابو ستة ان الحركة الصهيونية اقتلعت الفلسطينيين بالقوة العسكرية المنظمة ويشير الى خطة دالت التي اطلقتها الهاغاناه في مارس اذار 1948 مبينا ان القوات الصهيونية هاجمت وهجرت سكان 530 مدينة وقرية فلسطينية خلال عشرة اشهر فقط كما يؤكد ان ما لا يقل عن 95 مجزرة ارتكبت قتل خلالها نحو 15 الف فلسطيني.
ويتوقف الكاتب ايضا عند التحولات التي شهدها قطاع غزة بعد النكبة فحين عاد الى غزة خلال العطل الدراسية من القاهرة شاهد جموع اللاجئين تتدفق الى ما اصبح لاحقا قطاع غزة لكنه يصف كذلك كيف حاول اللاجئون اعادة بناء اجزاء من حياتهم السابقة اذ اعادت القرى تنظيم نفسها اجتماعيا داخل المخيمات مع الحفاظ على البنية المجتمعية والعادات وحتى المهن التقليدية.
ويقول اعادوا تشكيل القرية كما كانت موضحا ان المخيمات اصبحت تعرف باسماء القرى الاصلية التي جاء منها سكانها.
كما يتناول ابو ستة بدايات المقاومة الفلسطينية بعد النكبة مستذكرا ابن عمه حسن احد الفدائيين الذين استشهدوا بلغم ارضي اثناء تنفيذ مهمة داخل الاراضي المحتلة ويتحدث ايضا عن التنظيم السياسي للاجئين من خلال اللجان والمؤتمرات التي سبقت تاسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964.
ويخصص الكاتب جزءا كبيرا من مقاله للحديث عن عمله البحثي الممتد لعقود في توثيق جغرافيا فلسطين وديموغرافيتها وقراها المهجرة فبعد دراسة الهندسة في القاهرة وحصوله على الدكتوراه من كلية لندن الجامعية انكب على دراسة الوثائق والخرائط والصور الجوية لفلسطين في مكتبات وارشيفات بريطانيا واوروبا.
ويقول ان هذا العمل البحثي قاده الى وضع تصور عملي لتنفيذ حق العودة مؤكدا ان معظم ارض فلسطين التاريخية ما تزال قليلة السكان وان عودة اللاجئين ممكنة عمليا ويدعي ان 90% من اليهود في اسرائيل يعيشون في 77 تجمعا فقط تشغل ما بين 6% و10% من مساحة الارض بينما تبقى مساحات واسعة من الاراضي الفلسطينية المهجر اهلها فارغة او مستخدمة كمناطق عسكرية.
ويكتب في قضاء بئر السبع تبدو الصورة اكثر وضوحا مشيرا الى ان عدد المستوطنين اليهود هناك لا يزال محدودا مقارنة باعداد اللاجئين الفلسطينيين المكتظين في مخيمات غزة ومن خلال هذه القراءة الديموغرافية يخلص الى ان الفلسطينيين يستطيعون العودة الى ديارهم من دون تهجير واسع للمستوطنين.
ويشدد المقال مرارا على ان حق العودة ليس مجرد مطلب عاطفي او تاريخي بل حق قانوني وعملي ايضا.
ويشير ابو ستة الى انه نظم مسابقات معمارية شارك فيها مئات المهندسين الفلسطينيين لاعداد خطط اعادة اعمار القرى المدمرة كما يذكر ان اتفاقية اوسلو عام 1993 انعشت لفترة قصيرة امله بامكانية تحقيق العودة قبل ان تتبدد تلك الامال لاحقا.
ويصف ابو ستة الصهيونية بانها مشروع استعماري فرض على فلسطين بدعم من القوى الغربية خصوصا بريطانيا عبر وعد بلفور ويرى ان القوى الغربية تتحمل مسؤولية تهجير الفلسطينيين وان عليها في النهاية ان تتوب وتصحح خطاياها عبر تمكين الفلسطينيين من العودة الى وطنهم.
ويختتم الكاتب مقاله بالعودة الى المقارنة التي بدا بها فبن غوريون كما يقول دفن قرب بئر السبع بعيدا عن مسقط راسه في بولندا بينما لا يزال هو في المنفى لكنه يؤكد ان رحلته يجب ان تنتهي حيث بدات في قرية المعين ويختم قائلا اما انا سلمان ابو ستة فاريد ان ادفن في مسقط راسي.







