وجوه غزة.. ندوب الحرب العميقة تتحدى المرآة

لم تعد سندس قادرة على مواجهة انعكاسها في المرآة، فالعكاز يساندها من جهة، بينما تحاول والدتها احتواء ما تبقى من روحها المحطمة، بعد أن خلفت شظايا صاروخ آثارا عميقة لم تقتصر على الجروح والحروق، بل طالت ملامحها وسمعها وبصرها وحياتها.
في خيمة نزوح بغزة، جلست سندس تحدق في عيني مراسلة الجزيرة، عاجزة عن السمع، وهمست بأمنية واحدة: "أتمنى أن أعود إلى حياتي الطبيعية قبل الحرب".
و بينت والدتها أن طريق العودة إلى تلك الحياة بات أبعد من مجرد علاج جرح، إذ أصيبت سندس بحروق بالغة في يديها ووجهها، وفقدت السمع، وتضررت إحدى عينيها، إضافة إلى التشوهات التي تركت بصماتها على جسدها وملامحها.
وتروي الأم ليالي ابنتها الصعبة، حين تستيقظ فزعة من شدة الحكة والآلام الناتجة عن الحروق، فتمزق الضمادات عن جسدها حتى ينزف مرة أخرى، وهي تبكي عجزاً عن تحمل الألم، ولكن ما يؤلم سندس أكثر، ليس الجرح فحسب، بل الكلمات القاسية التي تسمعها.
واضافت الأم بصوت يعبر عن العجز والقهر: "أحياناً أجدها تبكي وحدها في الخيمة، وعندما أسألها تقول: نعتوني اليوم بالمشوهة".
ولا تختلف قصة المصور الصحفي محمد القهوجي كثيراً عن حكاية سندس، فالرجل الذي اعتاد توثيق آلام الآخرين، وجد نفسه ضحية للحرب بعد إصابته المباشرة في الوجه، مما تسبب في كسور بالفكين العلوي والسفلي وجروح غائرة غطت ملامحه، إضافة إلى إصابة في يده اليمنى.
وقال محمد إنه لم يعد يستطيع الوقوف أمام المرآة، بعد أن خلفت الحرب ندوباً عميقة في جسده وروحه.
ومع تزايد أعداد المصابين بالحروق والتشوهات في غزة، يحذر الأطباء من أن مئات الحالات تحتاج إلى عمليات ترميم وعلاج طويل الأمد، في ظل نقص حاد في الأدوات والمستهلكات الطبية اللازمة.
واكد أطباء أن العديد من الجرحى ينتظرون منذ أشهر توفير الإمكانيات الطبية لإجراء العمليات الضرورية، بينما تتفاقم معاناتهم الجسدية والنفسية يوماً بعد يوم.
وفي غزة، لا يتوقف الألم عند توقف النزيف أو التئام الجروح، فالحرب تترك وراءها وجوهاً مثقلة بالتشوهات، وأرواحاً تحاول النجاة من آثار لا تمحوها السنوات.







