اليوان يزاحم الدولار بمحافظ البنوك المركزية: تحوط عالمي ام تحول مالي؟

تتصاعد وتيرة استخدام البنوك المركزية حول العالم لخطوط مبادلة العملات مع البنك المركزي الصيني، الامر الذي يشير الى ان اليوان لم يعد مجرد عملة محلية مرتبطة بالاقتصاد الصيني.
بل اصبح تدريجيا اداة تستخدمها دول عديدة لتسهيل التجارة، وتوفير السيولة، وتقليل الاعتماد الكامل على الدولار.
وبنهاية مارس/اذار الماضي، بلغت السحوبات القائمة من خطوط المبادلة التابعة لبنك الشعب الصيني نحو 111.6 مليار يوان (16.4 مليار دولار)، وهو اعلى مستوى في نحو عامين، كما مثلت الزيادة الفصلية البالغة 17.4 مليار يوان (نحو 2.56 مليار دولار) اكبر ارتفاع منذ عام 2023، وفق حسابات بلومبيرغ استنادا الى بيانات البنك المركزي الصيني.
وتعمل خطوط المبادلة كقنوات سيولة بين البنوك المركزية، اذ تتيح للدول الحصول على اليوان مقابل عملاتها المحلية، ثم استخدامه في تمويل التجارة والاستثمار او توفيره للبنوك المحلية والمستوردين، وبذلك تصبح هذه الخطوط اداة مالية لتسهيل التعامل مع الصين، لكنها تحمل في الوقت نفسه دلالة اوسع ترتبط باعادة التفكير في هيمنة الدولار على النظام النقدي العالمي.
ولا ياتي هذا التوجه من فراغ، فالصين وسعت خلال السنوات الماضية شبكة اتفاقيات المبادلة مع عشرات الدول، لتصل بنهاية عام 2025 الى 32 دولة ومنطقة، بقيمة اجمالية قدرها 4.52 تريليونات يوان (نحو 665 مليار دولار)، كما صعد اليوان في المدفوعات العالمية ليصبح خامس اكثر العملات استخداما من حيث القيمة عبر نظام "سويفت"، بحصة بلغت 3.10% في مارس/اذار الماضي.
لكن الاهم من الارقام هو ما تكشفه من تحول في دوافع البنوك المركزية، فجزء من الطلب على اليوان مرتبط بصعود الصين كشريك تجاري اول او رئيسي لعدد كبير من الدول، خصوصا في اسيا وافريقيا والمنطقة العربية، اما الجزء الاخر فيرتبط بالمخاوف من استخدام الدولار سلاحا سياسيا، بعد العقوبات المالية الواسعة وتجميد اصول دول بعينها، وفي مقدمتها روسيا.
ويرى جورج خوري رئيس قسم الابحاث والتعليم في "سي اف اي" (CFI) المالية ان خطوط المبادلة مع الصين تمنح البنوك المركزية سيولة مباشرة باليوان مقابل العملة المحلية، وهو ما يساعد على تسهيل الاستيراد والتسويات التجارية، خصوصا في الدول التي توسعت تجارتها مع الصين.
ويقول خوري خلال حديثه للجزيرة نت ان المسالة لم تعد محصورة في تسهيل التجارة فقط، بل اصبحت مرتبطة ايضا بتخفيف المخاطر الجيوسياسية، موضحا ان العقوبات على روسيا وتجميد نحو 300 مليار دولار من احتياطاتها شكلا "نقطة تحول" في تفكير عدد من البنوك المركزية.
وبحسب خوري، بدات دول كثيرة تسال نفسها: ماذا يحدث اذا تعرضت لعقوبات مشابهة او حرمت من الوصول الى احتياطاتها الدولارية؟ لذلك اصبح تنويع الاحتياطيات وخطوط المبادلة بالعملات احد اساليب الحماية من المخاطر السياسية والمالية.
وتتفق هذه القراءة مع ما يذهب اليه الخبير في الشؤون الصينية العربية يحيى تشو شوان، الذي يرى ان توسع اتفاقيات المبادلة هو في المقام الاول نتيجة طبيعية لنمو التجارة والاستثمار بين الصين والعالم، لكنه لا ينفصل عن التطورات الجيوسياسية والمالية الدولية.
ويرى تشو شوان خلال حديثه للجزيرة نت ان بعض الدول بعد تعرضها لضغوط مالية او عقوبات او نقص في سيولة الدولار، بدات تبحث عن خيارات اكثر تنوعا لضمان امنها المالي، ومن هذا المنطلق، تنظر هذه الدول الى اتفاقيات المبادلة الصينية باعتبارها اداة لتعزيز الاستقرار المالي وتسهيل التجارة، لا مجرد اداة سياسية.
رغم هذا الصعود، لا يعني توسع استخدام اليوان ان الدولار فقد مكانته، فالدولار لا يزال العملة الاولى في الاحتياطيات العالمية، وتسعير السلع، وتمويل التجارة، وسوق الصرف الاجنبي.
ويشير خوري الى ان حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية تراجعت من نحو 71% عام 1999 الى نحو 58% حاليا، لكنها لا تزال ضخمة مقارنة بحصة اليوان التي تدور حول 2% الى 3%، كما ان نحو 88% من معاملات سوق العملات الاجنبية عالميا يدخل فيها الدولار بشكل مباشر، وما يزيد على 80% من تمويل التجارة العالمية لا يزال مرتبطا به.
بعبارة اخرى، لا يدور المشهد حول انهيار قريب للدولار، بل حول بداية انتقال بطيء من نظام تهيمن عليه عملة واحدة الى نظام اكثر تعددا في العملات، وهذا التحول قد يستغرق سنوات طويلة، لكنه بدا يظهر في سلوك البنوك المركزية، وفي تنويع الاحتياطيات، وفي صعود الذهب واليوان داخل محافظ بعض الدول.
ويؤكد تشو شوان ان العالم يشهد توجها متزايدا نحو التعددية النقدية، لكن ذلك لا يعني ان الدولار سيفقد مكانته في المستقبل القريب، فالارجح، بحسبه، ان يتجه النظام المالي العالمي الى صيغة تتعايش فيها عدة عملات رئيسية، بدلا من هيمنة مطلقة لعملة واحدة.
احد اهم اسباب هذا التحول هو الخوف من تحويل الدولار من اداة تبادل واحتياط الى اداة ضغط سياسي، فقد اظهرت العقوبات الامريكية والغربية على روسيا ان امتلاك الاحتياطيات الدولارية لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها اذا وقع خلاف سياسي كبير مع واشنطن وحلفائها.
ويرى المتخصص في الشؤون الصينية مؤيد الزعبي ان التوسع في استخدام خطوط المبادلة مع الصين "لم يعد مرتبطا فقط بتسهيل التجارة"، بل يعكس تحولا اعمق في تفكير البنوك المركزية، خصوصا بعد الاستخدام المتزايد للعقوبات الامريكية وهيمنة الدولار عالميا.
ويضيف الزعبي للجزيرة نت ان دولا كثيرة باتت تدرك ان الاعتماد الكامل على الدولار يضع اقتصاداتها تحت تاثير مباشر للسياسات الامريكية والعقوبات المالية المحتملة، ولذلك، بدا اتجاه متزايد نحو تنويع الادوات النقدية والبحث عن بدائل اكثر توازنا.
وفي هذا السياق، لم يعد التنويع النقدي مجرد قرار فني داخل البنوك المركزية، بل اصبح جزءا من مفهوم اوسع للامن المالي الوطني، فالدول تريد ان تضمن قدرتها على تمويل تجارتها، ودفع وارداتها، والوصول الى احتياطياتها في اوقات الازمات.
رغم توسع استخدام اليوان، لا تزال امامه عقبات كبيرة تمنعه من منافسة الدولار بشكل كامل، اول هذه العقبات ان الصين تفرض قيودا على حركة رؤوس الاموال، مما يقلل من حرية دخول المستثمرين وخروجهم مقارنة بالاسواق الامريكية.
كما ان اسواق السندات الامريكية لا تزال الاعمق والاكثر سيولة في العالم، وهو ما يمنح الدولار قوة اضافية باعتباره ملاذا امنا واداة استثمارية واسعة الانتشار، في المقابل، لا تزال الاسواق المالية الصينية اقل انفتاحا وشفافية، وهو ما يحد من شهية البنوك المركزية والمستثمرين الدوليين لزيادة حيازاتهم من الاصول المقومة باليوان بسرعة.
وهو ما يشرحه شاهر الشاهر، استاذ الدراسات الدولية بجامعة سون يات سين الصينية، خلال حديثه للجزيرة نت، مشيرا الى ان ابرز العقبات امام اليوان ترتبط بعدم تحرره الكامل وخضوع حركة راس المال في الصين لقيود، اضافة الى ان النظام المالي الصيني لا يزال اقل شفافية مقارنة بالاسواق الغربية.
اما الزعبي فيرى ان الصين نفسها لا تريد صعود اليوان بسرعة كبيرة، لان قوة العملة قد تضر بالميزة التنافسية لصادراتها، ولذلك تتحرك بكين تدريجيا وبشكل محسوب، بهدف بناء نفوذ مالي طويل الامد، لا فرض اليوان بديلا فوريا عن الدولار.
تبدو المنطقة العربية وافريقيا من اكثر المناطق المعنية بصعود اليوان، بسبب اتساع التجارة مع الصين، ودور بكين في تمويل مشاريع البنية التحتية، واحتياج كثير من هذه الاقتصادات الى تخفيف الضغط على احتياطيات الدولار.
ويقول خوري ان استخدام اليوان قد يمنح الدول العربية والافريقية مرونة اكبر في التجارة، خاصة ان الصين اصبحت من اكبر المستثمرين والممولين في المنطقة، سواء في البنية التحتية او قطاعات الطاقة والصناعة والتجارة، كما ان اليوان قد يخفف كلفة التحويلات في التعاملات مع الصين ويقلل الضغط على الاحتياطيات الدولارية.
ويرى تشو شوان ان توسيع استخدام اليوان يمكن ان يسهم في خفض تكاليف التحويلات وتقليل مخاطر تقلبات اسعار الصرف، اضافة الى تسهيل التجارة مع الصين وتعزيز تمويل مشاريع البنية التحتية والاستثمار طويل الاجل، خصوصا في اطار مبادرة "الحزام والطريق".
اما الزعبي فيعتبر ان الاقتصادات العربية والافريقية قد تكون من اكبر المستفيدين من هذا التحول، لان الصين اصبحت الشريك التجاري الاكبر لكثير من هذه الدول، وبرايه، فان استخدام اليوان قد يخفف الضغط على الدولار ويفتح الباب امام تمويل مشاريع بشروط اكثر تنوعا ومرونة، خصوصا في افريقيا التي يتزايد فيها الحضور الصيني.
ويرى تشو شوان ان من الممكن مستقبلا تسعير جزء من صادرات النفط والسلع الاستراتيجية بين الصين وبعض الدول العربية باليوان، وقد بدات بالفعل تجارب محدودة في بعض مجالات النفط والغاز والتجارة السلعية، لكنه يؤكد ان نظام "البترودولار" لا يزال الركيزة الاساسية لاسواق الطاقة العالمية، ومن غير المتوقع ان يحل اليوان محل الدولار بشكل كامل قريبا.
ويتفق الزعبي مع هذا الطرح، معتبرا ان تسعير جزء من النفط او السلع الاستراتيجية باليوان اصبح اكثر واقعية من اي وقت مضى، لكنه سيبدا على الارجح بصورة تدريجية ومحدودة، واذا توسع مستقبلا، فقد يقلص الاحتكار التاريخي للدولار في تجارة الطاقة ويدعم فكرة النظام المالي متعدد العملات.







