بكين تلوح بفرص استثمارية جديدة لشركات امريكية وسط ترقب لصفقات تكنولوجية

في تحول لافت، صرح الرئيس الصيني شي جينبينغ لكبار المديرين التنفيذيين الأميركيين المرافقين للرئيس دونالد ترمب خلال زيارته لبكين، بأن الصين ستفتح أبوابها على مصراعيها، مبينا أن الشركات الأميركية ستتمتع بفرص أوسع في البلاد.
والتقى شي، وفقا لمحطة «سي سي تي في» التلفزيونية الرسمية، الوفد الذي ضم مدراء تنفيذيين بارزين مثل إيلون ماسك وجينسن هوانغ من شركة «إنفيديا» وتيم كوك من شركة «أبل» في قاعة الشعب الكبرى، وجاء هذا اللقاء بعد تصريح لترمب بأنه سيطلب من شي «فتح» الصين خلال القمة.
واضاف بيان صادر عن البيت الأبيض، أن الرئيس الصيني أبدى اهتمامه بشراء المزيد من النفط الأميركي لتقليل اعتماد الصين على مضيق هرمز خلال قمته مع الرئيس ترمب، على الرغم من عدم ورود ذكر لشراء النفط في الملخصات الصينية للاجتماع التي نشرتها وسائل الإعلام الرسمية.
وتعتبر الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، لكن الولايات المتحدة لم تكن يوما مصدرا رئيسيا للنفط الخام، وبلغت واردات الصين من النفط الأميركي ذروتها عند نحو 395 ألف برميل يوميا في عام 2020، ما يمثل أقل من 4 في المائة من إجمالي وارداتها من النفط الخام.
وفي عام 2024، قبل عودة ترمب إلى منصبه، انخفضت هذه الواردات إلى 193 ألف برميل يوميا بقيمة 6 مليارات دولار، ولم تستورد الصين أي نفط أميركي منذ مايو (أيار) 2025 بسبب فرض تعريفة استيراد بنسبة 20 في المائة خلال الحرب التجارية.
لكن في غضون ذلك، كشفت تقارير إخبارية أن الجمارك الصينية أوقفت على ما يبدو تصاريح التصدير لمئات من مصانع لحوم الأبقار الأميركية، بعد ساعات من تقرير عن الموافقة على التراخيص التي طال انتظارها خلال قمة بين الرئيسين الأميركي والصيني في بكين.
وفقد أكثر من 400 مصنع لحوم أبقار أميركي أهلية التصدير خلال العام الماضي، حيث انتهت صلاحية تصاريح بكين الممنوحة بين مارس (اذار) 2020 وأبريل (نيسان) 2021 دون التجديد المعتاد، وهو ما يمثل نحو 65 في المائة من المنشآت المسجلة سابقا.
وسيكون تجديد التراخيص مكسبا واضحا للولايات المتحدة، بعد أن صرح البيت الأبيض في الأسابيع الأخيرة بأنه سيثار هذا الموضوع في القمة، تغير وضع تسجيل منتجي لحوم الأبقار.
واظهر موقع الجمارك الإلكتروني أن حالة تسجيلهم التي كانت مدرجة على أنها «سارية» في وقت سابق عادت لاحقا إلى «منتهية الصلاحية»، ورفض عدد من مديري شركات لحوم الأبقار الصينية الذين تواصلت معهم التعليق أو الكشف عن أسمائهم، مشيرين إلى حساسية الموضوع.
وقال شو هونغ تشي كبير المحللين في شركة «بكين أورينت» للاستشارات الزراعية: «أمر واحد مؤكد: هذه المسألة ورقة تستخدمها الصين في مفاوضات التجارة الثنائية؛ إنها فعالة للغاية في إرسال إشارات، بينما يبقى الخطر الفعلي تحت السيطرة تماما، لهذا السبب نشهد هذه التحولات الجذرية»، مضيفا أنه غير متأكد من سبب هذا التغيير.
وخلال اجتماع ثنائي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ الجانبين إلى توسيع التعاون في مجالات تشمل التجارة والزراعة، وفقا لما ذكرته محطة التلفزيون الحكومية «سي سي تي في».
وكان برايان سايكس الرئيس التنفيذي لشركة «كارغيل» من بين الرؤساء التنفيذيين الأميركيين المرافقين لترمب، وقد أدرجت مصانع تابعة لشركتي «كارغيل» و«تايسون فودز» ضمن قائمة الشركات التي شملها تجديد الاستيراد عند نشرها لأول مرة على موقع الجمارك الإلكتروني.
ونتيجة للحرب التجارية بين بكين وواشنطن، انخفضت صادرات لحوم الأبقار الأميركية إلى الصين بشكل مطرد إلى نحو 500 مليون دولار العام الماضي، بعد أن بلغت ذروتها عند 1.7 مليار دولار في عام 2022.
وعلى الجانب الأميركي، وافقت الولايات المتحدة على بيع شريحة «إتش 200» وهي ثاني أقوى شريحة ذكاء اصطناعي من «إنفيديا» لنحو عشر شركات صينية، لكن لم يتم تسليم أي شحنة حتى الآن، وفقا لثلاثة مصادر مطلعة، ما يبقي صفقة تكنولوجية كبرى في حالة من الترقب بينما يسعى الرئيس التنفيذي جينسن هوانغ لتحقيق اختراق في الصين هذا الأسبوع.
وانضم هوانغ الذي لم يكن اسمه مدرجا في البداية ضمن وفد البيت الأبيض إلى بكين إلى الرحلة بعد تلقيه دعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقد استقبله ترمب في ألاسكا في طريقه إلى قمة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، ما أثار الآمال في أن تسهم هذه الرحلة أخيرا في إطلاق الجهود المتعثرة لبيع رقائق «إتش 200» في الصين.
وتعد المخاطر كبيرة، إذ تسلط الضوء على كيف أن التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين يعيق الآن حتى التجارة المعتمدة، ما يضع الشركة الأغلى قيمة في العالم وأكبر مصنع للرقائق في مأزق بين أولويات وطنية متضاربة.
وقبل تشديد القيود الأميركية على الصادرات، كانت شركة «إنفيديا» تسيطر على نحو 95 في المائة من سوق الرقائق المتقدمة في الصين، وكانت الصين تمثل في السابق 13 في المائة من إيراداتها، وقد قدر هوانغ سابقا أن قيمة سوق الذكاء الاصطناعي في الصين وحدها ستصل إلى 50 مليار دولار هذا العام.
وافادت مصادر مطلعة طلبت عدم الكشف عن هويتها نظرا لحساسية الموضوع، بأن وزارة التجارة الأميركية وافقت على شراء نحو عشر شركات صينية من بينها «علي بابا» و«تنسنت» و«بايت دانس» و«جي دي.كوم» لرقائق «إتش 200» من «إنفيديا»، واضافت المصادر أنه تم أيضا الموافقة على عدد من الموزعين من بينهم «لينوفو» و«فوكسكون».
ويسمح للمشترين بالشراء إما مباشرة من «إنفيديا» أو عبر هؤلاء الوسطاء، ويمكن لكل عميل معتمد شراء ما يصل إلى 75 ألف رقاقة بموجب شروط الترخيص الأميركية، وفقا لاثنين من المصادر، ولم يتم الكشف سابقا عن هوية المشترين المعتمدين أو طبيعة علاقاتهم مع «إنفيديا» والموزعين المعتمدين فيما يتعلق برقاقة الذكاء الاصطناعي المرغوبة.
واكدت شركة «لينوفو» في بيان لوكالة «رويترز» أنها «إحدى الشركات الكثيرة التي حصلت على موافقة لبيع معالج (إتش 200) في الصين كجزء من رخصة تصدير شركة (إنفيديا)».
وصرح هوانغ لمحطة «سي سي تي في» التلفزيونية الحكومية الصينية، بأنه يأمل أن يعزز ترمب وشي علاقتهما الجيدة خلال المحادثات في بكين لتحسين العلاقات الثنائية.
وعلى الرغم من موافقة الولايات المتحدة، فقد توقفت الصفقات، حيث تراجعت الشركات الصينية بعد توجيهات من بكين، وفقا لأحد المصادر، واضاف المصدر أن هذا التحول في الصين كان مدفوعا جزئيا بتغييرات من الجانب الأميركي، على الرغم من أن طبيعة هذه التغييرات لا تزال غير واضحة.
وفي بكين، تتزايد الضغوط لعرقلة الطلبات أو التدقيق فيها بشكل صارم، وفقا لمصدر رابع، وأيد وزير التجارة هوارد لوتنيك هذا الرأي، مصرحا أمام جلسة استماع في مجلس الشيوخ الشهر الماضي بأن «الحكومة المركزية الصينية لم تسمح لهم حتى الآن بشراء الرقائق؛ لأنها تسعى إلى تركيز استثماراتها على صناعتها المحلية».
ويعكس تردد بكين حسابات استراتيجية، إذ تخشى أن تضعف الواردات جهودها لتطوير رقائق الذكاء الاصطناعي محلية الصنع، وبينما لا تزال رقائق الذكاء الاصطناعي الصينية متأخرة عن رقائق «إنفيديا»، تروج شركات مثل «ديب سيك» بشكل متزايد لاعتمادها على الرقائق المحلية بما في ذلك تلك التي طورتها «هواوي».
ويبرز تحولهم نحو «هواوي» وضع «إنفيديا» الهش في الصين، وقد حذر هوانغ من أن ضوابط التصدير الأميركية تقوض موطئ قدم الشركة في السوق، قائلا إن حصتها من مسرعات الذكاء الاصطناعي في الصين قد انخفضت فعليا إلى الصفر.
وتعرقل مسار إتمام الصفقة بسبب مجموعة من المتطلبات المعقدة من كلا الجانبين، وتلزم القواعد الأميركية الصادرة المشترين الصينيين بإثبات تطبيقهم «إجراءات أمنية كافية» وعدم استخدامهم الرقائق لأغراض عسكرية، كما يتعين على شركة «إنفيديا» تقديم شهادة تثبت وجود مخزون كاف منها في الولايات المتحدة.
وقد تفاوض ترمب على اتفاقية تحصل بموجبها الولايات المتحدة على 25 في المائة من عائدات مبيعات الرقائق، وهو هيكل يتطلب مرور الرقائق عبر الأراضي الأميركية قبل شحنها إلى الصين، إذ لا يسمح القانون الأميركي بفرض رسوم تصدير مباشرة.
وأثارت هذه الاتفاقية قلقا في بكين بشأن احتمالية التلاعب أو وجود ثغرات أمنية خفية، حتى مع وصف مصادر لها بأنها في المقام الأول حل بديل للتحايل على القيود القانونية.







