هل يضلك الذكاء الاصطناعي؟ اكتشاف تحيزات النماذج وكيفية توجيهها لحل النزاعات

لم يعد الخطر قاصرا على استبدال الذكاء الاصطناعي بالإنسان في مجال العمل فحسب، بل يمتد ليشمل التأثير على ضمائرنا وقيمنا، فمع لجوء الملايين إلى هذه النماذج لطرح أسئلة شخصية مثل "هل كنت مخطئا مع زوجتي؟" أو "هل أعتذر لصديقي؟"، يبرز سؤال حول مدى حيادية هذه الإجابات.
تميل النماذج الأشهر، وفقا لدراسة نشرت في مجلة "ساينس"، إلى تبني وجهة نظر واحدة تقريبا وهي "أنت على حق"، وهو ما يثير تساؤلات حول تأثير ذلك على مهاراتنا في حل النزاعات وكيفية الاستفادة من هذه الأدوات دون المساس بضمائرنا.
نشر فريق من الباحثين في علم النفس الاجتماعي وعلوم الحاسوب بجامعة ستانفورد دراسة في مجلة "ساينس" بعنوان "الذكاء الاصطناعي المتملق يضعف الصلات الاجتماعية ويغلب حب الذات"، وذلك في مارس/آذار الماضي.
واكتشف الفريق أن 11 نموذجا من النماذج الأشهر، بما في ذلك "شات جي بي تي" و"كلود" و"جيمناي" و"ديب سيك"، تميل إلى تأييد المستخدمين في مواقفهم الشخصية بصورة تفوق استجابات البشر، حتى في الحالات التي يكون فيها سلوك المستخدم ظالما أو غير قانوني.
في المرحلة الأولى من الدراسة، قام الباحثون بتحليل نحو 12 ألف موقف اجتماعي حقيقي مأخوذة من منصات مثل "ريديت"، وتحديدا من منتدى فرعي بعنوان "هل أنا المخطئ؟"، ثم قارنوا بين أحكام الذكاء الاصطناعي وأحكام المعلقين على المنصة، ووجدوا أن النماذج تميل إلى القول لصاحب القصة "أنت محق" في المواقف التي يرى فيها البشر بوضوح أنه "مخطئ"، وذلك بمعدل يزيد بنحو 49% عن الحالات التي يساند فيها البشر صاحب الشكوى.
في المرحلة الثانية من الدراسة، بحث الفريق كيفية استجابة البشر لتملق الذكاء الاصطناعي، بمشاركة 2405 مبحوثين، حيث طُلب منهم مناقشة مشكلاتهم الشخصية مع نماذج ذكاء اصطناعي متملقة وأخرى محايدة.
أظهرت النتائج أنه كلما كان النموذج أكثر تأييدا للمستخدم، زادت ثقته به واقتناعه بصواب موقفه، وأصبح أكثر استعدادا لاستشارته في أمور مماثلة مستقبلا.
وأفاد بعض المبحوثين بعد التجربة بأنهم أصبحوا أقل ميلا للاعتذار أو مسامحة الطرف الآخر، وتراجعت احتمالية التفاهم أو تقديم حسن الظن، وربما من بين أخطر النتائج كان عجز المبحوثين عن تمييز التأييد في إجابات نماذج الذكاء الاصطناعي، لأنه غالبا ما يكون غير مباشر.
نشرت شركة "أوبن إيه آي" في نهاية العام الماضي نتائج أوسع دراساتها الإحصائية، والتي شملت عينة عشوائية تقارب 1.1 مليون محادثة لمستخدمين بالغين على اشتراكات الأفراد.
تبين أن نحو نصف الرسائل تصنف ضمن فئة "السؤال"، طلبا للمشورة والمعلومات التي تساعد في اتخاذ القرارات في العمل أو الدراسة أو الحياة الشخصية، وهو ما استغلته شركات عدة من بينها "أوبن إيه آي" لتوليد نماذج تحاكي الرفاق، حيث يسألها المستخدم عن العمل والعلاقات.
وفي هذا السياق، نشرت مجلة "نيتشر" مقالا بعنوان "الأخطار العاطفية للرفقاء الاصطناعيين تستوجب الانتباه"، وأشار المقال إلى ميل شركات التقنية إلى تصميم نماذج ذكاء اصطناعي قائمة على التفاعل بينها وبين المستخدمين، وذلك لزيادة زمن الاستخدام ورضا المستخدم من خلال بعض الحوافز المضللة.
تأكد ذلك بعد تحديث نموذج "جي بي تي 4 أو"، إذ لوحظ ازدياد ميل النموذج إلى مجاراة مشاعر المستخدم وتأكيد افتراضاته المؤذية بدلا من تصحيحها أو موازنتها.
لم يقتصر ذلك السلوك على العبارات اللطيفة، بل شمل أيضا تغذية الشكوك وإثارة الغضب وتشجيع القرارات المتهورة وتعزيز المشاعر السلبية لدى بعض المستخدمين.
واعترفت الشركة المطورة في النهاية بوجود أخطار تتعلق بالصحة النفسية والاعتماد العاطفي والسلوكيات الخطرة المرتبطة بطريقة استجابة النموذج وتفاعله الطويل مع الأفراد المستضعفين نفسيا، والذين أكدت نتائج دراسة من جامعة كورنيل قدرتهم على استهدافهم بإستراتيجيات تلاعبية لتحسين تقييماتهم.
مع معرفتنا بأننا قد لا نكون على صواب في بعض استشاراتنا الشخصية للذكاء الاصطناعي، يجب علينا أن نسأل أنفسنا عن الغرض من استخدامه في كل مشورة، فهل نبحث عمن يربت على أكتافنا، أم نسعى إلى إجابة سليمة تساعدنا على تحسين قراراتنا وسلوكياتنا؟
إذا كنت تبحث عن رفيق، فلا تقع فريسة الجهل بنوايا مصممي الآلات، وفي الحالتين، إليك 4 طرق لاستخلاص الإجابة الأدق لاستفساراتك الشخصية:
1- وضح هدفك
اذكر صراحة في بداية الحوار أنك تفضل الدقة على المجاملة، وأنك لا تحتاج تأييدا بل تفسيرا، مثل "أريد إجابة محايدة قدر الإمكان، وركز على الأدلة والاختلافات الحقيقية في الآراء، ولا تحاول إرضائي أو مجاملتي"، أو "صحح أي خطأ في افتراضي/ في سلوكي صراحة، حتى لو كنت أنا واثقا من رأيي، واعرض الحجج المؤيدة والمعارضة، واذكر مستوى ثقتك، وتجنب التعليقات الإيجابية عن شخصي أو عن جودة سؤالي".
2- اطلب آراء متنوعة
استخدم عبارات مثل "أريدك أن تعرض 3 زوايا: كيف قد يرى الطرف الآخر الموقف؟ كيف قد يراه صديق محايد؟ كيف قد يراه معالج نفسي؟"، أو "لا تكتف بتبني وجهة نظري، بل أشر بوضوح إلى مواضع انحيازي أو خطئي، وكذلك نقاط خطأ أو صواب الطرف الآخر"، أو "اعرض خمسة احتمالات واقعية/ منطقية لتفسير سلوك الطرف الآخر".
3- ضعه تحت الاختبار
صغ طلبك باعتباره اختبارا للتحقق من فهمه رغبتك في مقاومة التملق، مثل "أعد صياغة موقفي باختصار للتأكد من فهمك غرضي منك/ هذا الحوار تجربة لاختبار قدرتك على مقاومة التملق/ لا تغير موقفك إلا إذا قدمت دليلا جديدا وقويا".
4- اطلب التعاطف لا النفاق
إذا لم تكن مستعدا للتفكير النقدي في أمر يحزنك، يمكنك كتابة "اعترف بمشاعري وألمي، ثم انتقل سريعا إلى تحليل موضوعي لما يحدث ومسؤوليتي فيه، ولا تخف الملاحظات الصعبة حرصا على مشاعري، بل قدمها بلغة محترمة وواضحة، واقترح تجارب صغيرة أو أسئلة عملية يمكنني استخدامها لاختبار أفكاري على أرض الواقع".







