تحركات أوروبية لتامين الملاحة في مضيق هرمز وسط تعقيدات إقليمية

تسعى فرنسا وبريطانيا لتشكيل قوة متعددة الجنسيات تهدف إلى ضمان أمن الإبحار في مضيق هرمز، وترى الدولتان أن الوقت قد حان لتحديد مساهمة كل دولة في هذا التحالف لتنفيذ المهمة المطلوبة.
ونوهت وزارة الدفاع البريطانية بالاجتماعات التي استضافتها في مقر القيادة المشتركة الدائمة، واصفة إياها بأنها حاسمة لتوحيد الرؤى الوطنية ضمن خطة متعددة الجنسيات، واعتبرت اجتماعها مستندا إلى التقدم الكبير الذي تحقق خلال الأسابيع الماضية من قبل المخططين العسكريين من دول مختلفة.
وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي إن المملكة المتحدة ستقود هذه المهمة الدفاعية متعددة الجنسيات، وستحول الاتفاقات الدبلوماسية إلى خطط عسكرية لاستعادة الثقة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز، مبينا أن مهمتهم هي التأكد من الاستعداد للتحرك وعدم الاكتفاء بالكلام.
ولإعطاء المثل الصالح، عجلت باريس ولندن بإرسال حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول وقطعها المواكبة التي عبرت البحر الأحمر، وتفيد معلومات متداولة في باريس أنها توقفت في القاعدة البحرية الفرنسية في جيبوتي.
ومن جانبها، قامت لندن بتوجيه المدمرة إتش إم إس دراغون، إحدى أكثر السفن الحربية البريطانية تطورا، إلى المياه القريبة من المضيق، دون تحديد مكان وجودها في الوقت الراهن.
وتعمل العاصمتان الأوروبيتان وفق مبدأ التموضع المسبق، بحيث تكون الدول المساهمة في القوة متعددة الجنسيات جاهزة لمباشرة مهامها حالما تتوافر الظروف لذلك.
وبالنسبة لفرنسا، تقوم الفكرة وفق مصادر رئاسية على الاستفادة بأفضل شكل ممكن من الوسائل البحرية الموجودة حاليا، خصوصا في شرق المتوسط، استعدادا للحظة التي تتضح فيها معالم استعادة الملاحة في المضيق.
وبحسب الإليزيه، وجهت باريس عشر سفن، بينها 8 فرقاطات وسفينتا إنزال وقيادة كانت غالبيتها في شرق المتوسط قبالة الشواطئ القبرصية وأخرى في منطقة الخليج، وتشدد الأوساط الفرنسية على أهمية التمركز المسبق للقوات، مؤكدة أنه أمر مهم وأن حسن إدارته بالغ الأهمية أيضا.
ووفق تصريحات من القادة السياسيين، فإن السمات الأساسية للقوة متعددة الجنسيات أنها محايدة، سلمية ومنفصلة تماما عما تقوم به القوات الأميركية في المنطقة، ولمزيد من الطمأنة، أكد ماكرون العديد من المرات أنها ستعمل بالتفاهم مع الجانب الإيراني أي أن انطلاقتها مشروطة بتقبله لها.
كذلك، تشدد أوساط الرئاسة الفرنسية على ضرورة تقبل الجانب الأميركي لها، ويعني ذلك توافر مجموعة من الشروط كتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق ينهي الحرب أو أن تتثبت الهدنة الهشة التي وصفها الرئيس الأميركي بأنها في غرفة الإنعاش، أو أن تتراجع حدة الاشتباكات بشكل جدي ما يطمئن الدول المساهمة بأنها غير ذاهبة للحرب.
بيد أن قراءة معمقة لصورة الوضع الراهن لا تدفع إلى توقع انطلاق المهمة في الأيام أو الأسابيع المقبلة القادمة، لأنه ينقصها توافر ما لا يقل عن 5 عناصر أساسية، والعنصران الأولان يرتبطان بالطرفين المتصارعين.
ومن جهة، يبدو اتفاق وقف إطلاق النار الذي مدده الرئيس ترمب لإعطاء الوقت الكافي لإيران من أجل بلورة ردودها على آخر مقترحاته المتضمنة في الورقة المكونة من 14 بندا، على كف عفريت، وهدد الأخير في أكثر من مقابلة صحافية بالعودة إلى استخدام لغة السلاح.
وبالمقابل، فإن طهران جاهرت بأنه عليه إما قبول ردها وإما رفضه بمعنى أنه لم يعد لديها مجال لتقديم تنازلات إضافية، وفي وضع كهذا سيكون صعبا على الدول الراغبة بالمساهمة في القوة الموعودة الانخراط في مهمة غير محمودة العواقب، ويمكن أن تحولها إلى طرف داخل في الصراع.
أما العنصر الثاني فيتمثل في غياب أفق التوصل إلى مفاوضات السلام بين الطرفين المعنيين، وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن رؤية الوفدين الأميركي والإيراني يتفاوضان مجددا إما وجها لوجه وإما بالواسطة تبتعد أكثر فأكثر، لا بل ترى أن الوساطة الباكستانية وصلت في نهاية المطاف إلى طريق مسدود بينما لا يبقى التعويل قائما إلا على دور قد تقبل الصين بالقيام به نظرا لتضررها الكبير من إغلاق مضيق هرمز، حيث تمر فيه نسبة كبيرة من مشترياتها النفطية.
بعد أن فشلت الخطة الأميركية المسماة مشروع الحرية لإعادة فتح هرمز، رأى الأوروبيون أنها تعبد الطريق أمام مبادرتهم الخاصة التي يراد لها أن تكون بعيدة عن الحضور الأميركي.
والحال أن الرئيس ترمب هدد بإعادة تفعيل مشروع الحرية مع الرغبة في تنفيذه باللجوء إلى قوة أكبر، وسبق له أن برر تعليقه بعد ساعات فقط من إطلاقه بتدخلات خليجية، وتقدم المفاوضات مع إيران.
وإذا كان من الصعب التعرف حقيقة على نيات الرئيس الأميركي ومعرفة ما إذا كان كلامه يندرج في إطار التهويل والتهديد أم أنه جاد في العودة لمشروعه السابق، فإن إعادة تدويره من شأنها أن تقلق باريس ولندن والدول المتعاونة معهما والتي تضم بلدانا أوروبية وآسيوية وخليجية وحتى أفريقية، ذلك أنه سيكون من الصعب تواجد مهمتين عسكريتين متنافستين على ضمان المرور الآمن في مضيق هرمز، ما يعني عمليا أنه سيتعين على الأوروبيين وشركائهم الانتظار حتى تتوضح صورة الوضع في المضيق وفي ما سترسو عليه العلاقات الأميركية الإيرانية.
لا تتوقف الأمور عند هذا الحد، ذلك أن الصعوبة الكبرى عنوانها العداء الإيراني لقوة عسكرية في المضيق، وأن إيران سارعت على لسان نائب وزير خارجيتها إلى تحذير باريس ولندن من اقتراب قطعهما الحربية أو قطع دول أخرى من مضيق هرمز لأنها ستواجه برد حاسم.
وكتب المسؤول الإيراني على منصة إكس نذكرهم بأنه في زمن الحرب كما في زمن السلم وحدها الجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على ضمان الأمن في هذا المضيق، ولن تسمح لأي دولة بالتدخل في هذا المجال.
ومن هنا، استعجل الرئيس ماكرون إلى طمأنة إيران إلى أن مهمة القوة ستكون بالتنسيق مع إيران وأن فرنسا لم تفكر مطلقا بنشر قوات في المضيق، لكن ماكرون حرص على التذكير بالمبادئ الرئيسية التي تقوم عليها المبادرة، وتتمثل في رفض أي حصار مفروض على المضيق من أية جهة كانت، ورفض فرض أي رسوم، وتطرح فرنسا بالتلازم أن ترفع طهران حصارها على المضيق مقابل أن تتمكن سفنها من حرية الحركة أي أن يتوقف الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية.
ليست إيران وحدها متحفظة على متعددة الجنسيات، بل إن واشنطن أيضا غير متحمسة لها، إذ تربطها برفض الأوروبيين والأطلسيين ودول أخرى مثل أستراليا واليابان الانضمام إلى واشنطن في الحرب الأخيرة، ففي الاتصال الهاتفي الذي جرى بين وزيري خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا تناول البحث المهمة التي يدفع بها الأوروبيون إلى الأمام، وليس سرا أن الوزير الأميركي كما الرئيس الأميركي غير متحمس لها وسبق له أن تساءل عن جدواها بعد انتهاء الأمر أي بعد انتهاء الحرب معتبرا أن أمرا كهذا يبدو كأنه غير منطقي، إلا أنه في نهاية المطاف اعتبر أنه قد يكون لها بعض الفائدة.







