تحول الألياف الضوئية إلى ساحة معركة للتجسس.. تقنيات جديدة تخترق الخصوصية

في تحول مثير للقلق، كشفت تقنيات تجسس حديثة عن إمكانية اختراق كابلات الألياف الضوئية، التي كانت تعتبر حصنا آمنا في عالم الاتصالات، وأظهرت هذه التقنيات أن التجسس لم يعد يقتصر على كسر التشفير الرقمي، بل امتد ليشمل الوسط الناقل نفسه.
وتعتمد هذه العملية على حقيقة فيزيائية بسيطة، وهي أن الضوء يمكن أن يتسرب من الكابل دون الحاجة إلى قطعه، وتعرف هذه التقنية بـ"التنصت الضوئي".
ووفقا لتقارير تقنية، بين مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي، يمكن للمخترقين إحداث انحناء بسيط جدا في الكابل، وهذا الانحناء، رغم عدم كسره للزجاج، يغير زاوية انعكاس الضوء، مما يؤدي إلى تسرب جزء ضئيل من الفوتونات خارج النواة الزجاجية.
وباستخدام أجهزة استقبال ضوئية عالية الحساسية، يتم التقاط هذا الضوء المسرب وتحويله إلى بيانات رقمية مرة أخرى، والمثير للدهشة أن هذه العملية قد لا تسبب فقدا في الإشارة يتجاوز 0.1 ديسيبل، وهو ما يجعلها غير مرئية لأنظمة مراقبة الشبكة التقليدية.
وأظهرت أبحاث حديثة نشرت في مجلة ساينس الأمريكية وجامعة هونغ كونغ تطورا أخطر، وهو تحويل الكابل إلى ميكروفون عملاق عبر تقنية الاستشعار الصوتي الموزع.
وحسب الأبحاث، تعمل هذه التقنية عبر إرسال نبضات ليزر عبر الكابل ورصد الارتباكات الناتجة عن الاهتزازات المحيطة، وعندما يتحدث شخص ما بجوار كابل ألياف ضوئية، فإن الموجات الصوتية تسبب اهتزازات مجهرية في الزجاج، وتغير هذه الاهتزازات من خصائص ارتداد الضوء، وباستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يمكن للمتجسسين معالجة هذه الارتدادات لإعادة تركيب المحادثات الصوتية بدقة مذهلة.
وعلى الصعيد الدولي، تكمن المعركة الحقيقية في أعماق المحيطات، حيث تنقل الكابلات البحرية أكثر من 99% من حركة المرور الدولية، وبحسب وثائق كشف عنها سابقا، أكدتها تقارير من صحيفة الغارديان البريطانية ووكالة رويترز هذا العام، فإن وكالات استخبارات كبرى مثل وكالة الأمن القومي الأمريكية ومقر الاتصالات الحكومية البريطانية تمتلك قدرات للوصول المباشر إلى هذه الكابلات عبر "نقاط الهبوط".
وفي هذه النقاط، يتم فك تجميع الإشارات الضوئية وتحويلها إلى إشارات كهربائية لمعالجتها، وهنا، تركب أجهزة تسمى "المقسمات" تنسخ كامل حركة المرور وتوجه نسخة منها إلى خوادم ضخمة للتحليل والتخزين، فيما يكمل الأصل طريقه للمستلم دون أن يشعر بوجود تأخير يذكر.
واليوم، لم يعد التجسس يقتصر فقط على السواحل، بل انتقل إلى قاع البحر، حيث تشير تقارير عسكرية من المعهد البحري الأمريكي إلى أن غواصات متخصصة مثل الغواصة الروسية "يانتار" أو الغواصة الأمريكية "يو إس إس جيمي كارتر" مصممة خصيصا للارتباط بالكابلات البحرية في الأعماق السحيقة.
وأكدت التقارير، أن هذه العمليات تعد من أكثر المهام سرية في العالم، حيث تركب أجهزة تنصت تعمل بالطاقة الذاتية على الكابل وتستمر في بث البيانات لاسلكيا إلى عوامات على السطح أو عبر سفن قريبة.
ويعتقد البعض أن التشفير من طرف إلى طرف يجعل هذا التجسس بلا قيمة، وهذا صحيح جزئيا، لكنه لا يغطي كل شيء، فتحليل البيانات الوصفية، حتى لو لم يعرف المتجسس "محتوى" الرسالة، فإنه يعرف من اتصل بمن، ومتى، ومن أي موقع، وهي معلومات كافية لبناء ملفات استخباراتية كاملة.
واضاف البعض ان فك التشفير المستقبلي، حيث تخزن كميات هائلة من البيانات المشفرة، هو حاليا في انتظار تطور الحواسب الكمومية التي ستتمكن من فك أقوى أنواع التشفير الحالية في ثوان.
ولمواجهة هذه التهديدات، بدأت دول مثل الصين وفرنسا في تبني توزيع المفاتيح الكمومية، وتعتمد هذه التقنية على قوانين ميكانيكا الكم، حيث إن أي محاولة لمراقبة أو قياس الفوتونات الضوئية ستؤدي فورا إلى تغيير حالتها الفيزيائية، مما يعني أن المتجسس سيتسبب في تدمير المعلومة بمجرد محاولة قراءتها، وسيتلقى الطرفان تنبيها فوريا بمكان ونوع الاختراق.







