السودان: حرب تلتهم الاخضر وتفاقم ازمة المناخ

في السودان الذي تمزقه الحرب تتوارى قضايا البيئة خلف دخان المعارك واصوات النزوح والجوع، ورغم ذلك يعد هذا القطاع من اكثر القطاعات تضررا واتساعا في حجم الخسائر، وما يحدث اليوم في الغابات السودانية لم يعد مجرد تدهور بيئي عابر بل تحول الى كارثة صامتة تهدد مستقبل الموارد الطبيعية والتوازن المناخي في البلاد، وذلك في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على الرقابة والحماية وتتفاقم الضغوط المعيشية على السكان.
ومع انهيار الخدمات الاساسية وندرة الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة الى مستويات غير مسبوقة اضطرت الاف الاسر السودانية الى العودة لاستخدام الحطب والفحم كمصادر بديلة للطاقة، الامر الذي ادى الى تصاعد واسع في عمليات قطع الاشجار واستنزاف الاحزمة الغابية، و اسهمت موجات النزوح الداخلي في زيادة الضغط على الغابات بعد انتقال اعداد كبيرة من السكان الى مناطق اكثر امانا واقامة مساكن مؤقتة داخل المناطق الحرجية وسط غياب شبه كامل للرقابة البيئية وتطبيق القوانين.
وفي اطراف ولاية الخرطوم وبين اشجار السنط عند ملتقى النيلين قالت عائشة عبد الله وهي تجمع الحطب: كنا نعتمد على غاز الطهي لكن سعر الاسطوانة ارتفع الى نحو 90 الف جنيه سوداني ولم يعد بمقدورنا تحمل التكلفة ولم يبق امامنا سوى الحطب لاعداد الطعام ونعلم ان قطع الاشجار يضر بالبيئة لكن كيف يمكن للاسرة ان تعيش بدون طعام.
وفي ولاية الجزيرة اوضح صلاح الطيب حجم الضائقة الاقتصادية التي دفعت كثيرين الى اللجوء الى الغابات قائلا: وصل سعر جوال الفحم الى نحو 105 الاف جنيه سوداني وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الاسر لذلك اصبح الحطب الخيار الوحيد المتاح لكثير من الناس لتلبية احتياجاتهم اليومية.
اما سعدية عبد الله وهي بائعة شاي في شارع النيل بمدينة ام درمان فتقول ان الحرب بدلت حياتها بالكامل بعد ارتفاع اسعار الوقود وتراجع مصادر الدخل: كنت استخدم الغاز والفحم في عملي بشكل طبيعي لكن الاسعار اصبحت فوق طاقتنا واليوم اعتمد على الحطب حتى اتمكن من اعداد الشاي ومواصلة العمل وسط هذه الظروف الصعبة.
ويقول المدير العام للهيئة القومية للغابات موسى سليمان موسى ان الغابات تحولت خلال سنوات الحرب الى مصدر طاقة اضطراري نتيجة انقطاع الكهرباء وندرة غاز الطهي، وتشير بيانات رسمية الى تدهور نحو 60 في المائة من غابات السنط في ولاية الجزيرة و45 في المائة في ولاية سنار بينما تاثرت ولايات اخرى بنسب متفاوتة.
واضاف في حديثه لـ«الشرق الاوسط» ان مساحة الغابات في السودان تقدر بنحو 30 مليون فدان بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 اي ما يعادل نحو 12.5 في المائة من مساحة البلاد وكانت هناك خطط لرفعها الى 25 في المائة الا ان الحرب اوقفت هذا المسار وسرعت وتيرة الاستنزاف.
من جهته يؤكد رئيس المجلس الاعلى للبيئة والموارد الطبيعية الاسبق في ولاية الخرطوم بشرى حامد ان الموارد البيئية في السودان تتعرض لـ«هجمة واسعة ومتعددة الاوجه» نتيجة تداخل تداعيات الحرب مع الازمات الاقتصادية والاجتماعية والامنية.
واشار في حديثه لـ«الشرق الاوسط» الى ان ضعف دور الدولة وتراجع انفاذ القوانين اسهما في ازدهار تجارة الحطب والفحم والاخشاب حيث تستخدم تقنيات حديثة تتيح قطع الاشجار ونقلها بسرعة عبر شبكات تمتد داخل البلاد وخارجها، واضاف: يعتمد ما بين 70 و80 في المائة من السكان بصورة مباشرة على الموارد الطبيعية في معيشتهم سواء عبر الزراعة او الرعي او انتاج الحطب ما يجعل التدهور البيئي تهديدا مباشرا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في بلد يعاني اصلا من هشاشة بنيوية، كما حذر من ان التعدين العشوائي داخل الغابات والمحميات الطبيعية يفاقم الازمة بسبب ازالة مساحات اضافية من الغطاء النباتي وتلويث التربة والمياه ما يخلق تحديات بيئية معقدة يصعب احتواؤها على المدى القريب.
بدوره يقول الخبير البيئي عوض محمد صديق ان ما يحدث يتجاوز مجرد استهلاك عابر للموارد ويمثل تفكيكا متسارعا لمنظومة بيئية كاملة، واوضح ان ازالة الغطاء النباتي تفقد التربة قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة وتدفع التصحر الى التمدد في مناطق هشة اصلا بالتزامن مع اختفاء موائل الكائنات الحية وتراجع التنوع الحيوي، واضاف في حديثه لـ«الشرق الاوسط» ان المجتمعات الريفية تدفع الثمن مباشرة عبر تراجع الانتاج الزراعي وضعف الحماية من زحف الرمال واختلال دورة المياه.
من جانبه يرى خبير البيئة وتغيرات المناخ نور الدين احمد ان الغابات تمثل احد اهم الموارد الطبيعية في السودان لما تؤديه من دور حيوي في تلطيف المناخ وحماية التربة وتوفير الغذاء والمأوى لملايين الكائنات الحية، واشار الى ان مساحات واسعة تحولت الى اراض جرداء بعد ان كانت تشكل رئة طبيعية تمد البيئة بالاكسجين وتحد من اثار التصحر والتغيرات المناخية محذرا من ان استمرار تدهور الغطاء النباتي يهدد بمضاعفة الازمات المناخية والانسانية في البلاد.
ويرى خبير الغابات طلعت دفع الله ان فقدان الغطاء النباتي الكثيف يسهم في ارتفاع درجات الحرارة ويضعف قدرة البيئة المحلية على امتصاص الانبعاثات الكربونية، كما يؤدي هذا التدهور الى استنزاف موارد حيوية مثل الاخشاب والصمغ العربي حيث تقدر الخسائر السنوية في قطاع الغابات بنحو 500 مليون دولار نتيجة القطع غير القانوني للاشجار.
واكد دفع الله في حديثه لـ«الشرق الاوسط» ان الاولوية العاجلة تتمثل في تقليل اعتماد الاسر على الحطب عبر توفير غاز الطهي حيثما امكن وتعميم استخدام المواقد المحسنة ودعم حلول الطاقة الشمسية في الاحياء ومراكز النزوح.
ولم تقتصر تداعيات التدهور البيئي على الجوانب الطبيعية فحسب بل امتدت الى قطاعات اقتصادية حيوية ففي اقليم كردفان احدى اهم مناطق انتاج الصمغ العربي عالميا تضررت سلاسل الانتاج بصورة كبيرة ما اثر في ملايين السكان الذين يعتمدون على هذا القطاع مصدرا رئيسيا للدخل.
وفي ظل استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الدولة تبدو البيئة السودانية امام تحد وجودي حقيقي حيث تتسارع وتيرة الاستنزاف في غياب خطط الحماية والتعافي بينما تتعمق الخسائر البيئية والاقتصادية والانسانية يوما بعد اخر في مشهد ينذر بعواقب طويلة الامد قد تمتد اثارها لاجيال مقبلة.







