تصعيد جنوب لبنان: هل ينجح حزب الله في تحقيق توازن الردع

تتواصل التطورات الميدانية جنوب لبنان وسط استمرار الغارات الإسرائيلية على القرى والبلدات الحدودية، وعمليات استهداف المنازل والبنى التحتية داخل ما يعرف بالخطوط الحمراء، وفي المقابل، ينفذ حزب الله عمليات محدودة ضد مواقع الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه العمليات وما إذا كانت تحقق توازن الردع المطلوب أم أنها مجرد إدارة للاشتباك تمنح إسرائيل مبررات إضافية لتصعيد عملياتها العسكرية.
منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في منتصف أبريل، لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية، سواء عبر الغارات المكثفة أو استهداف مقاتلي حزب الله على خطوط المواجهة، بالإضافة إلى الضغط المستمر على القرى الجنوبية، بدءا من الحدود المعترف بها وصولا إلى نهر الليطاني والبقاع اللبناني، وينفذ حزب الله عمليات يعتبرها دفاعية تهدف إلى تثبيت معادلة الردع ومنع إسرائيل من فرض قواعد اشتباك جديدة.
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد خليل الحلو أن ردود حزب الله لم تحقق أي توازن ردع مع إسرائيل خلال الهدنة الأخيرة، مبينا أن ما تقوم به إسرائيل لا يرتبط بالرد على عمليات الحزب، بل يندرج ضمن خطة أوسع بدأت بإفراغ الخط الأصفر من سكانه وتوسعت لتشمل مناطق شمال هذا الخط، وصولا إلى تهجير سكان معظم البلدات الواقعة جنوب نهر الليطاني.
واضاف الحلو في تصريح له أن رد حزب الله يمنح إسرائيل ذريعة لعدم الالتزام بوقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن إسرائيل تتذرع بأن أي هامش يعطى للحزب سيمكنه من إعادة تنظيم صفوفه واستعادة قدراته العسكرية.
في المقابل، يجد حزب الله نفسه ملزما بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وإن كان بشكل محدود، حتى لا يفسر الأمر ضعفا ويفتح الباب أمام مزيد من التصعيد الإسرائيلي، ويعتبر الخبير العسكري والأمني العميد بهاء حلال أن توازن الردع في علم الاستراتيجية العسكرية يعني أن كل طرف يمتنع عن التصعيد خوفا من كلفة رد الطرف الآخر.
ويقول حلال إنه إذا أسقطنا هذا التعريف على الوضع الحالي، فإن استمرار الضربات أو التحركات العسكرية الإسرائيلية يعني أن الردع غير مكتمل، لأن إسرائيل تبدو مستعدة لتحمل ردود محدودة، ما يدل على أنها لا ترى في الرد الحالي تهديدا استراتيجيا كافيا لردعها.
ويشير حلال إلى أن طبيعة ردود حزب الله غالبا ما تكون محسوبة ومدروسة، لأن هدفها الظاهر تثبيت قواعد دفاعية متوازنة تعتمد على الدعم المساحي الذي لا يتمسك بالجغرافيا بهدف عدم الانزلاق إلى حرب شاملة واعتماد الاستنزاف الجراحي، وهذا يحقق نوعا من الدفاع التكتيكي.
ويرى العميد خليل حلو أن حزب الله يضع الدولة اللبنانية في موقع ضعف ويعرقل أي مسار تفاوضي مقبل، موضحا أن لبنان قد يجد نفسه عاجزا عن تقديم إجابات واضحة في أي مفاوضات حول سلاح الحزب ودوره، وجزم بأن إسرائيل لم تذهب إلى الهدنة عن قناعة بل تحت ضغط أميركي وهي غير مهتمة بأي تفاوض مع لبنان، وطالما أن العمليات المحدودة التي ينفذها الحزب غير مؤثرة عسكريا فإنها بالتأكيد تمنح إسرائيل مبررا للاستمرار في عدوانها على لبنان.
ويتعمق الانقسام في لبنان بين من يتمسك بضرورة الرد على الاعتداءات الإسرائيلية لحفظ التوازن ومن يجد فيه عبئا سياسيا وعسكريا، ويعترف الخبير العسكري والأمني العميد بهاء حلال بأن ميزان القوة يميل لصالح إسرائيل، في حين أن حزب الله يعتمد على الصواريخ وحرب الاستنزاف والجغرافيا، وهذا يخلق نوعا من الردود غير المتكافئة وليس توازنا كلاسيكيا، مؤكدا أنه لا يوجد توازن ردع كامل بل ردع متبادل ومحدود، والحزب يفرض كلفة كبيرة على الإسرائيلي ويمنعه من التمادي، مشددا على أن الوضع الحالي بات أقرب إلى إدارة اشتباك تحت سقف الحرب وليس ردعا يمنع الاشتباك.







