مضيق هرمز يشتعل ازمة بين الحصار الامريكي والاصرار الايراني

تتصاعد حدة التوتر في منطقة الخليج العربي مع استمرار الحصار البحري الامريكي المفروض على ايران، والذي يهدف الى الضغط على طهران لتقديم تنازلات في برنامجها النووي، واعادة فتح مضيق هرمز امام الملاحة الدولية، وذلك بعد مرور اكثر من شهرين على اندلاع الازمة في الثامن والعشرين من فبراير، وتحولها الى ما يشبه حرب خنق متبادلة منذ وقف اطلاق النار في السابع من ابريل.
وتزداد التساؤلات حول ما اذا كان الحصار البحري الامريكي قادرا على تحقيق نتائج سياسية، لا يمكن للضربات العسكرية وحدها ضمانها، دون الانزلاق الى صراع واسع النطاق، حيث كشفت تقديرات صادرة عن البنتاغون، والتي نقلها موقع اكسيوس، ان الحصار كبد ايران خسائر تقدر بنحو اربعة فاصلة ثمانية مليار دولار من عائدات النفط، نتيجة لتعطيل حركة واحد وثلاثين ناقلة نفط تحمل نحو ثلاثة وخمسين مليون برميل في الخليج، وتحويل مسار اكثر من اربعين سفينة حاولت عبور خطوط الحصار.
واضافت التقديرات ان هذه الارقام، على الرغم من ضخامتها، لا تعكس وحدها حجم المازق الذي تواجهه ايران، حيث انها لا تخسر فقط ايرادات فورية، بل تقترب ايضا من نقطة حرجة قد تضطرها الى وقف انتاج النفط بسبب عدم وجود منافذ لتصديره، الامر الذي قد يتسبب في اضرار طويلة الامد لحقولها المتقادمة.
وبينت المصادر ان واشنطن لا تزال تدرس خياراتها، وتتساءل عما اذا كان الضغط الاقتصادي كافيا وحده، ام ان الحصار لن يكون سوى مقدمة لتصعيد عسكري جديد.
واكد مدير مشروع ازدهار ايران، الدكتور سعيد قاسمي نجاد، في حديث مع الشرق الاوسط، ان الحصار البحري الامريكي يمثل اداة مدمرة وفعالة بشكل استثنائي ضد الاقتصاد الايراني.
واوضح قاسمي نجاد ان قطع الوصول البحري الى الموانئ الايرانية، قد ادى حتى الان الى خنق اكثر من مليون برميل يوميا من صادرات النفط الخام الايرانية، مشيرا الى ان المسارات الحالية تشير الى ان الضغط سيدفع صادرات النفط الايرانية نحو الصفر، بالتوازي مع خنق قطاعات البتروكيماويات والقطاعات غير النفطية، التي وفرت للنظام تاريخيا هامشا للتكيف مع العقوبات.
ولفت قاسمي نجاد الى اهمية هذا التقدير، اذ انه ينقل النقاش من مستوى العقوبات التقليدية الى مستوى السيطرة الميدانية على منافذ الاقتصاد الايراني، فالعقوبات، مهما بلغت شدتها، كانت تترك لطهران مساحات للمراوغة عبر شبكات تهريب وناقلات معتمة ومشترين مستعدين للمخاطرة، خصوصا في اسيا.
واشار قاسمي نجاد الى ان الحصار الحالي يقفل الطريق البحري نفسه، ولهذا بدات ايران، وفقا لتقارير امريكية، باستخدام ناقلات قديمة بوصفها مخازن عائمة، فيما تسلك بعض السفن طرقا اطول واكثر تكلفة الى الصين لتفادي الاعتراض البحري.
وحذر قاسمي نجاد من ان الازمة تقترب من نقطة تحول حرجة، ففي السيناريو الاسوأ، يمكن ان تستنفد طهران طاقتها التخزينية المحلية بحلول منتصف يونيو، وعندها، ومن دون منفذ لتصريف النفط، سيضطر النظام الى خفض الانتاج او وقف جزء منه، وهي خطوة تهدد بالحاق ضرر دائم بالحقول النفطية القديمة وتعمق الثقب المالي الاسود، وبهذا المعنى، لم يعد الحصار مجرد وسيلة ضغط تفاوضية، بل محاولة لدفع بنية الاقتصاد الريعي الايراني الى حافة عطب يصعب اصلاحه سريعا.
وفي سياق متصل بالضغوط البحرية، قدمت ايران عرضا جديدا عبر الوسطاء الباكستانيين، يظهر بعض المرونة في شروطها السابقة، فبدلا من المطالبة برفع الحصار كشرط مسبق لاي بحث، ابدت طهران استعدادا لمناقشة شروط فتح مضيق هرمز بالتزامن مع ضمانات امريكية لانهاء الهجمات وتفكيك الحصار على الموانئ، ثم تقترح الانتقال لاحقا الى بحث الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات.
واكدت المصادر ان الفجوة ما زالت واسعة، لان واشنطن تريد وقف تخصيب الوقود النووي الايراني لفترة قد تصل الى عشرين عاما، وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة ستين في المئة، اما طهران فترفض حتى الان تنازلات كبيرة في الملف النووي، وتتعامل معه بوصفه اخر اوراق الردع.
ويرى قاسمي نجاد ان السؤال الكبير هو هل يكفي هذا الاستنزاف الاستراتيجي لاجبار طهران، خلال اسبوعين او ثلاثة، على فتح مضيق هرمز والتخلي عن برنامجها النووي، وجوابه حذر ومتشائم، اذ يقول ان التاريخ يشير الى ان النظام الايراني سيعطي الاولوية لبقائه على تقديم التنازلات، مرجحا ان تنظر القيادة الايرانية الى الورقة النووية بوصفها بوليصة التامين الاخيرة لبقاء النظام، لذلك، يستبعد حصول اختراق دبلوماسي كبير بحلول اواخر الشهر الحالي، من دون تصعيد عسكري اضافي.
وبين محللون ان المازق الامريكي يبرز في ان واشنطن تراهن على ان الوقت في صالحها، لكنها لا تستطيع تجاهل ان استمرار اغلاق مضيق هرمز يرفع اسعار النفط فوق المئة دولار للبرميل، ويدفع تكاليف البنزين والاسمدة، ويصنع ضغطا سياسيا داخليا في الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، اي ان الحصار، وان كان يؤلم طهران، لا ياتي بلا تكلفة على واشنطن وحلفائها واسواق الطاقة العالمية.
ويقدم كبير الباحثين بالشأن الايراني في معهد الشرق الاوسط، اليكس فاتنكا، قراءة مختلفة لكنها مكملة، فاستنادا الى مصادره داخل ايران، يقول ان المواجهة الحالية غير مستقرة اكثر مما هي قابلة للاستمرار، فالحرب الشاملة ليست حتمية، لكنه يرى ان خطر التصعيد حقيقي ومتزايد، ويصف الحصار الامريكي بانه يقع في منطقة رمادية يمكن ان تشعل صراعا جديدا عبر سوء الحسابات او الضغط الاقتصادي المتزايد، لا بالضرورة عبر قرار متعمد باستئناف الحرب.
وفي الختام يرى قاسمي نجاد ان استعادة حرية الملاحة بشكل دائم قد تتطلب ربط الحصار بعمليات عسكرية اكثر حسما على الساحل الجنوبي الايراني لكسر مازق الحصار المزدوج، اما فاتنكا فيحذر من ان الجمود نفسه قابل للاشتعال.







