تلوث يفتك بالاسماك في العراق وخسائر فادحة للمربين

في مشهد يدمي القلوب بجنوب شرقي العراق، قام حيدر كاظم بدفن ما يقارب 300 طن من الأسماك التي رعاها لشهور طويلة، حيث نفقت بشكل مفاجئ خلال ساعتين فقط، والسبب مياه ملوثة اختلطت بنهر دجلة.
على ضفاف النهر في قضاء الزبيدية بمحافظة واسط، حيث يمتهن تربية الأسماك منذ خمسة أعوام، قال كاظم، وهو يقف أمام أحواض فارغة، إن مشروعه بالكامل قد انتهى في غضون ساعتين، موضحا أن 300 طن من الأسماك التي كان يرعاها منذ عام ونصف قد نفقت، واصفا الوضع بأنه أعاده إلى نقطة الصفر.
واضاف كاظم، وهو أب لثمانية أبناء، أنه شعر بأن الحياة قد انتهت بالنسبة إليه، مبينا أنه لم يتم إبلاغهم بأن مياها ملوثة كانت في طريقها إليهم ليتمكنوا من حماية أسماكهم.
وبعد أن ملأت أمطار غزيرة سد حمرين في محافظة ديالى، أطلقت السلطات مطلع أبريل الحالي مياه السد باتجاه نهر ديالى، وعند التقائه مع نهر دجلة في جنوب شرقي بغداد، حيث تقع تصريفات لمياه الصرف الصحي غير المعالجة، جرف التيار ترسبات كثيرة نحو جنوب شرقي العراق، بحسب ما أفادت به السلطات.
وتظهر صور ملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية، في إطار مهمة سنتينيل 2 بين 28 مارس الماضي و12 أبريل الحالي، والتي حللتها وكالة الصحافة الفرنسية، خطا أسود يمتد جنوبا عند التقاء نهري ديالى ودجلة.
ويشرح الباحث البيئي في المصادر المفتوحة، ويم زفيننبرغ، أن البقع القاتمة تعكس تشكل تيار أقوى في المياه، مما يعني أن تخفيف التلوث كان أقل من المعتاد، مما ينعكس بالتالي تأثيرا سلبيا أكبر على مصائد الأسماك في مصب النهر، وربما كذلك على محطات معالجة المياه.
وأدى تلوث المياه إلى نفوق أكثر من ألف طن من الأسماك في واسط، وفقا لما ذكره مدير مديرية الزراعة بالمحافظة، أركان الشمري.
وتتصاعد أنفاس كاظم تعبا مع تنظيفه أحواض الأسماك التي يقول إنها نفقت في 5 أبريل الحالي، وهو يفكر في ما ألم به بين ليلة وضحاها، ويقول إن خسائره تجاوزت 1.1 مليون دولار، مطالبا السلطات بتعويض يمكنه من تسديد ثمن الأعلاف ومستحقات أقاربه الذين يشاركونه المشروع.
ويقول إنه لم يأت أي مسؤول ليقف إلى جانبه، سائلا كيف سيسدد الديون ومن أين سيأتي بالأموال، ومؤكدا أنه ليست لديهم مهنة أخرى ولا إمكانية لإحياء المشروع.
ويعاني العراق، الذي بدأ مؤخرا يتعافى من عقود من النزاعات، تهالك بنيته التحتية وانتشار الفساد في مؤسساته الحكومية وسياسات عامة غير فعالة، خصوصا لجهة الحفاظ على البيئة في بلد يعد من الأكبر عرضة لتأثيرات التغير المناخي.
وأدت قلة الأمطار في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الحرارة وقلة الإطلاقات المائية من تركيا وإيران، إلى تراجع قياسي في منسوب دجلة والفرات اللذين يشكلان المصدر الأساسي للمياه في العراق.
وقال وزير البيئة، هه لو العسكري، إن السلطات استطاعت احتواء ظاهرة تلوث مياه دجلة، وتعمل على عدم تكرار تلوث مياه الأنهار في المستقبل.
من جهته، قال المتحدث باسم أمانة بغداد، عدي الجنديل، إن السلطات تعمل على أن تدشن قريبا سبع وحدات جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي في جنوب شرقي العاصمة، بهدف تصفية ومعالجة المياه لتصبح صالحة للسقي والأغراض الزراعية قبل طرحها في النهر.
وأدى التلوث كذلك إلى تقنين استخدام المياه لأيام في مدن بجنوب شرقي العراق، حيث يستخدم السكان مياه النهر للشرب والاستهلاك المنزلي.
وأوصت السلطات في محافظة واسط بعدم شرب مياه دجلة، مشيرة إلى أن تلوثها تسبب في أكثر من 20 حالة تسمم وإصابات جلدية أدخلت المستشفى.
أمام فناء منزله المطل على النهر في قضاء النعمانية، يتأمل مازن منصور بحسرة أحواضه حيث نفق نحو 38 ألف سمكة كان يستعد لبيعها قريبا، ويقول إنه عندما شاهدوا الأسماك متعبة، حاولوا إنعاشها بالأكسجين، بينما كانت المياه سوداء، واضاف راح تعب العمر كله في يوم وليلة، داعيا السلطات الى محاسبة المقصرين، ويتابع أنه ما لم يحصلوا على تعويضات، فقد لا يتمكنوا من معاودة العمل أبدا.







