من زنازين الاحتلال الى نزوح مرير: قصة اسير فلسطيني

بين قضبان الاسر وحياة النزوح قصة تروي فصولا من المعاناة الفلسطينية، تبدا بخروج اسير من سجون الاحتلال لتصطدم اماله بواقع مرير فرضته سياسات التهجير القسري.
يروي محمود شريم، الشاب الذي قضى ثماني سنوات في سجون الاحتلال، كيف تحول حلمه بالعودة الى منزله في مخيم جنين الى كابوس، فبدلا من ان يجد عائلته في انتظاره، استقبله سائق سيارة اجرة يخبره بان المخيم لم يعد موجودا وان اهله نزحوا.
واضاف محمود بصوت خافت: "لم تكن صدمة فقط، بل كان خوفا كبيرا على مصير عائلتي، لم اصدق انهم نزحوا، وصرت اسال نفسي بصوت عال: اين ذهبوا؟".
وتابع: "سمعت السائق يرد: في الغالب نزحوا الى سكنات الجامعة، وهنا صدمة اخرى، كيف ينزح سكان مخيم كامل؟".
وعلى الرغم من مرارة الصدمة، كان استقبال والدته واخوته له في سكنات الجامعة العربية الامريكية في جنين مؤثرا جدا، وقد لاقى صدى واسعا على مواقع التواصل.
ويعتبر محمود احد الاسرى الذين شاركوا في حفر النفق الشهير في سجن جلبوع عام 2021، وقد اضيف الى حكمه الاصلي اربع سنوات ونصف.
ويقول محمود انه لم يتقبل النزوح بعد السجن، وان امنياته بالتخلص من عذابات الاسر قوبلت بواقع صعب جدا ومرير.
واضاف: "زادت القابي لقبا جديدا، كنت لاجئا ثم اسيرا محررا، ثم نازحا، وكلها القاب تعمق فكرة المعاناة للشعب الفلسطيني وتضاعف الوجع، كنت اعد الايام لانتهاء محكوميتي والعودة الى المخيم، الى ذكرياتي فيه، للقاء اصدقائي، والنوم في غرفتي، كل ذلك تبخر".
وبعد نحو اربعة اشهر من تحرره، يعيش محمود ظروفا انسانية صعبة وواقعا اقتصاديا معقدا، حيث يسكن مع اسرته المكونة من خمسة افراد في غرفتين صغيرتين، غير مخصصتين في الاساس للعائلات.
ويصف محمود السكنات بانها "اسست لتكون لطلبة الجامعة، والبنايات مكتظة جدا، وبالطبع لا توجد اماكن خاصة للاطفال للعب، الاطفال يتكدسون في ممرات البنايات التي تحوي الواحدة منها 83 غرفة، ويوجد في كل غرفة اربعة افراد على الاقل".
ومنذ العملية العسكرية التي عرفت بـ"السور الحديدي" والتي بدات في يناير من العام الماضي، هجرت اسرائيل قرابة 3500 عائلة من مخيم جنين، يعيش غالبيتهم في سكنات طلبة الجامعة الامريكية، ما خلق ازمة حادة في ايواء النازحين.
وبحسب محمود، فان الحياة في السكن الجامعي تشبه الى حد كبير السجن، فالغرف متقابلة، واعداد السكان كبيرة، والنوم شبه مستحيل بسبب الضجيج والاصوات العالية طوال الليل، وهو ما اجبره على مغادرة المكان مؤقتا.
ومنذ عشرة ايام، لم يعد محمود الى سكن العائلة، ويقول انه يحاول ايجاد مسكن اكثر ملاءمة للظروف الانسانية، لذا يبحث حاليا عن منزل في مدينة جنين ليستاجره، مشيرا الى انه يعمل في كشك صغير لبيع الشطائر للتغلب على مصاعب الحياة بعد ان اوقفت السلطة الفلسطينية مخصصاته.
فقد محمود ذكرياته التي كان يحلم بالعودة اليها بعد تحرره، واستشهد شقيقه وعدد كبير من اصدقائه، ويقول ان الامل في لقائهم هو ما كان يبقيه صامدا في الاسر، وان فكرة عدم وجودهم وحرمانه من وداعهم والقاء النظرة الاخيرة عليهم تعذبه كثيرا.
ويعيده حنينه بشكل دائم الى سطح منزل العائلة المطل على كل حارات المخيم، حيث كان يسهر في ليالي الصيف، ويقول ان هذه الذكرى لا تغيب عن باله.
ويذكر محمود حالات لاسرى افرج عنهم ومنعوا من العودة الى قرى مجاورة نزحت عائلاتهم اليها، بحجة قربها من جدار الفصل الاسرائيلي.
وسجلت مؤسسات الاسرى الفلسطينية 1650 حالة اعتقال من جنين ومخيمها، بينهم 85 طفلا و16 سيدة وتسعة اسرى حكموا بالسجن المؤبد.
وامام هذا، لا يزال الاحتلال الاسرائيلي يواصل عمليته العسكرية "السور الحديدي" بمخيمات شمال الضفة الغربية الثلاثة (جنين، وطولكرم، ونور شمس).
ويوم الاثنين الماضي، سمحت قوات الاحتلال لعدد محدود من النساء من مخيم جنين بدخول منازلهن فيه وتفقدها لوقت محدد لا يتجاوز ساعتين، وبالرغم من عدم السماح للرجال بدخول المخيم، تمكن عدد قليل منهم من ذلك برفقة النساء، الا ان الجيش احتجزهم لاكثر من ست ساعات داخل المخيم قبل اطلاقهم.
ويعيش الاسرى المحررون الذين افرج عنهم من سجون الاحتلال ولم يتمكنوا من العودة الى منازلهم في المخيمات الثلاثة حالة من الحنين للعودة الى البيوت التي اعتقلوا منها، ولحياتهم التي سلبت بعد اعتقالهم.
وفي ضاحية ذنابة شرق مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية، استقر الحال بالمحرر رامي فودة (44 عاما) الذي افرج عنه من سجن النقب في ديسمبر/كانون الاول الماضي.
ومثل محمود، تفاجا رامي بان عائلته وجميع سكان مخيم نور شمس نزحوا وتفرقوا الى احياء وبلدات وقرى حول مدينة طولكرم.
ويصف رامي حاله بعيدا عن بيته قائلا: "نعيش في غرف لا تصلح للسكن الادمي، ففي الشتاء يتسلل المطر من جدرانها وسقفها، للاسف خرجنا من السجن الى واقع شديد المرارة، ونحن نعاني، النزوح يعني حياة شبه مستحيلة، والايام تمضي وحياتنا متوقفة".
واضاف الاسير المحرر والنازح ان ما يواجهونه نكبة جديدة، وهو "كارثة حقيقية، وواقع اهالي المخيمات اليم جدا".
وقال: "لم اكن اتصور ابدا ان اعود من الاسر الى منزل لا يعود لي، لم اعش فيه، ولا يربطني به اي انتماء".
واضاف: "صحيح اننا عايشنا عذابات كثيرة في السجن، حيث فقدت 60 كيلوغراما من وزني، لكني فوجئت يوم خروجي بخبر استشهاد زوج اختي، ونجل شقيقتي الثانية، واليوم اعيش وضعا اقتصاديا صعبا جدا، العمل شبه معدوم، والدخل شحيح، وايجارات المنازل مرتفعة، ناهيك عن شعور الاغتراب الذي نعيشه كمحررين لم نصل الى منازلنا بعد سنوات في الاسر".
كل ما كان يتمناه رامي ان يتم استقباله في ساحة منزل اهله في مخيم نور شمس التي شهدت طوال السنوات الماضية تجمع اهالي المخيم في افراحهم واتراحهم، لكن المنزل لم يعد موجودا، وسكان المخيم تفرقوا، وصار اجتماعهم يشبه الحلم، ويقول انه لم يعش فرحة الحرية، لانه وجد نفسه بلا بيت ولا ماوى.







