تحذيرات من القتل البطيء: معاناة الاسرى المرضى في سجون الاحتلال تتصاعد

تتصاعد المخاوف بشان اوضاع الاسرى الفلسطينيين المرضى داخل سجون الاحتلال، حيث يواجهون ظروفا قاسية وانتهاكات خطيرة تهدد حياتهم، ففي سجن سيدي تيمان سيئ السمعة، عاش الاسير المحرر يحيى ابو سيف اسوا ايام حياته، كما يروي، حيث المرض والتنكيل كانا رفيقيه، دون ادنى رعاية طبية.
واضاف ابو سيف للجزيرة نت انه امضى اطول واسوا سنة في عمره في سجن سيدي تيمان، حيث كان يواجه جسده المريض قبل ان يواجه سجانه، وبين انه لم تتح له فرصة التنقل على كرسيه المتحرك داخل السجن، وبين ان كل يوم كان يمر عليه كان اشبه بالذي سبقه، لكن بثقل اكبر والم يتراكم بصمت.
واوضح ابو سيف ان السجن لم يكن مجرد جدران، بل حالة من العجز الاجباري، يجبر فيها الاسير على التعايش مع ما لا يستطيع تغييره، واكد انه مع غياب كرسيه المتحرك داخل المكان، تحول التنقل البسيط الى عبء اضافي، وكأن الجسد يختبر في حدوده القصوى كل يوم.
وكشف ابو سيف ان حياته كانت نموذجا لمعاناة الاف الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي، خاصة اصحاب الاحكام العالية والمؤبدات، واظهر ان المعاناة لا تقتصر على فقدان الحرية والعزل والتحقيق والتعذيب والتنكيل، بل تمتد لتشمل صراعا يوميا مع المرض في ظروف تفتقر الى الحد الادنى من الرعاية الصحية.
وقالت عفاف ابو السبح، والدة الاسير فادي ابو السبح، للجزيرة نت ان ابنها اعتقل اثناء توجهه لتلقي العلاج في الضفة الغربية بموجب تحويلة طبية رسمية، رغم انه كان يعاني من اصابات خطيرة في مختلف انحاء جسده، واضافت انه حكم عليه بالسجن 5 سنوات، وكان من المفترض الافراج عنه في 19 مايو/ايار 2024، لكن ادارة السجون رفضت اطلاق سراحه وقررت تمديد اعتقاله استنادا الى قوانين الطوارئ والحرب الجديدة.
واشارت ابو السبح الى ان وضع ابنها الصحي يتدهور بشكل مستمر، وبينت انه يعاني من كسور متعددة، ويعيش بوجود صفائح معدنية في ساقيه، ومع ذلك يحرم من العلاج ومن نقله الى المستشفى، بل وحتى من الزيارة، في انتهاك صارخ لكل الحقوق الانسانية، وتابعت انه تم نقله بين عدة سجون اسرائيلية، منها عسقلان وهداريم وريمون ونفحة، في ظروف قاسية تزيد من معاناته الصحية والنفسية.
وختمت ابو السبح بقولها ان ما يتعرض له ابنها هو حكم بالموت البطيء، وطالبت بانهاء معاناته فورا وتمكينه من العلاج والافراج عنه، واكدت ان استمرار احتجازه بهذه الطريقة جريمة لا يمكن السكوت عنها، وذكر نادي الاسير الفلسطيني ان عدد الاسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الاسرائيلي تجاوز حاجز الـ 9600 اسير ومعتقل، من بينهم 84 اسيرة و350 طفلا.
وبين النادي ان من اجمالي الاسرى 116 اسيرا محكوما بالمؤبد، ومنهم ما يزيد على 1200 يعانون من امراض مزمنة وخطيرة، واستشهد اكثر من 89 اسيرا نتيجة الاهمال الطبي او التجويع او اثناء التحقيق والتعذيب، منهم 52 شهيدا من معتقلي غزة، واكد ان عدد المعتقلين الاداريين بلغ 3532، وهي اعلى نسبة بين الاسرى، فيما بلغ عدد من صنفهم الاحتلال تحت مسمى المقاتلين غير الشرعيين 1251 معتقلا.
ويؤكد رئيس نادي الاسير الفلسطيني عبد الله الزغاري للجزيرة نت تصاعد اعداد الاسرى المرضى الذين يعانون من امراض خطيرة ومزمنة، وبين ان من بين هذه الامراض السرطان والفشل الكلوي والسكري وارتفاع ضغط الدم والجرب، اضافة الى اضطرابات نفسية حادة نتيجة ظروف الاحتجاز القاسية، وقال الزغاري ان معاناة المعتقلين لا تقف عند حدود المرض، بل تتفاقم بفعل سياسات ممنهجة تشمل سوء التغذية، وحرمانهم من وجبات كافية، وقطع المياه لفترات طويلة، ومنع الاستحمام، اضافة الى عدم توفير الادوية او نقل الحالات الخطيرة الى المستشفيات.
كما اشار الزغاري الى تصاعد الانتهاكات الجسدية والنفسية، بما في ذلك التعذيب والاعتداءات الممنهجة، التي ادت الى وفاة عدد من المعتقلين، خاصة من قطاع غزة بعد 7 اكتوبر/تشرين الاول، مؤكدا توثيق استشهاد العشرات تحت التعذيب كسياسة انتقامية داخل السجون، وفي ظل هذا الواقع، تتعالى الدعوات لتدخل دولي عاجل يضمن حماية الاسرى المرضى، ووقف الانتهاكات بحقهم، وتوفير الرعاية الصحية اللازمة وفق المواثيق الدولية والانسانية.
ويصف مدير الاعلام بوزارة الاسرى والمحررين في غزة اسلام عبده ملف الاسرى المرضى بانه احد اخطر اوجه الانتهاكات داخل السجون الاسرائيلية، في ظل سياسة القتل البطيء والممنهج، ويوضح عبده ان الاسرى المرضى يتركون دون علاج فعال، رغم اصابتهم بامراض خطيرة، مع تاخير متعمد في التحويلات الطبية والفحوصات، مما يؤدي الى تدهور حالتهم بشكل خطير قد يفضي الى الوفاة.
اما المختص في شؤون الاسرى والاسير السابق احمد ابو راس فيقول ان اوضاع الاسرى المرضى تتدهور بشكل غير مسبوق، في ظل سياسات ممنهجة تهدف الى انهاكهم جسديا ونفسيا، ويضيف ابو راس ان مئات الاسرى المرضى يحرمون من التشخيص المبكر والعلاج، وتؤجل تحويلاتهم الطبية، بينما تستخدم العيادات داخل السجون كاجراء شكلي لا يقدم علاجا حقيقيا، ما ادى الى استشهاد عدد منهم.
وفي ظل تصاعد الانتهاكات بحق الاسرى داخل السجون، تتزايد المخاوف الحقوقية والانسانية بشان اوضاع الاسرى المرضى، وقال عضو لجنة الاسرى والقوى الوطنية والاسلامية عصام ابو دقة ان قضية الاسرى المرضى يجب ان تكون على راس الاولويات الانسانية والحقوقية، وانقاذ حياتهم مسؤولية لا يمكن تاجيلها، لان الحق في العلاج والكرامة حق اساسي لكل انسان مهما كانت الظروف.
وبين مسؤول الاعلام في مؤسسة الضمير لحقوق الانسان عبد القادر هيلان ان ما يجري من انتهاكات بحق الاسرى، من اهمال طبي ممنهج، خاصة بعد 7 اكتوبر/تشرين الاول عام 2023 يمثل اختبارا حقيقيا لمنظومة العدالة الانسانية، مشددا على ان انقاذ حياة الاسرى المرضى واجب فوري لا يحتمل التاجيل، خاصة في سياق ما خلفته الحرب من اعباء انسانية مضاعفة، ويحمل الاحتلال مسؤولية عرقلة جميع الاجراءات التي تقوم بها المؤسسات الحقوقية والدولية المتعلقة بملف الاسرى، بما في ذلك تقويض الجهود الرامية الى تطبيق المعايير القانونية والانسانية ذات الصلة.







