تداعيات جيوسياسية: كيف تواجه اقتصادات عربية غير نفطية صدمة الطاقة المتصاعدة؟

لم تعد الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران مجرد حدث جيوسياسي عابر بل نقطة تحول حادة في تسعير الطاقة عالميا مع انتقال سريع من سعر برميل الى سعر مخاطر فالتوتر حول مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية لم يرفع اسعار الخام فحسب بل زاد كلفة التامين والشحن مما ادى الى تضخم الكلفة الفعلية للطاقة بالنسبة للدول المستوردة.
وفي هذا السياق يشير تحليل لصندوق النقد الدولي الى ان الصدمات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة تختلف عن الصدمات التقليدية اذ تمتد اثارها الى قنوات التمويل والتجارة في ان واحد مما يجعل الاقتصادات المستوردة اكثر عرضة لتقلبات حادة في ميزان المدفوعات والاستقرار النقدي.
ومع اتساع نطاق التصعيد واجهت الدول العربية غير المنتجة للنفط ارتفاعا مباشرا في فاتورة وارداتها الطاقية ليس فقط بفعل صعود الاسعار العالمية بل ايضا نتيجة تضخم كلفة الشحن والتامين المرتبطة بالمخاطر.
وتشير تقديرات البنك الدولي في تقريره حول مؤشر الاقتصاد التونسي الى ان هذه الصدمة انعكست سريعا في اتساع العجز التجاري وارتفاع كلفة دعم الطاقة كنسبة من الناتج في اقتصادات تعتمد بشكل كبير على الواردات.
ولا تتوقف اثار هذه الصدمة عند الكلفة المباشرة اذ يوضح البنك الدولي في تقاريره الاقليمية ان اضطرابات الطاقة المرتبطة بالاضطراب الاقليمي تولد ضغوطا مزدوجة تشمل ارتفاع فاتورة الاستيراد من جهة وتراجع ثقة المستثمرين في الاسواق الناشئة من جهة اخرى مما يؤدي الى زيادة كلفة التمويل وتصاعد الضغوط على العملات المحلية.
وفي قراءة لسلوك السوق قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول ان الاضطرابات في الشرق الاوسط تضيف علاوة مخاطر مستمرة الى اسعار الطاقة وليست مجرد ارتفاعات موقتة مما يبقي الكلفة الفعلية للامدادات مرتفعة حتى في حال استقرار الاسعار الاسمية.
امام هذه الضغوط تحركت الحكومات العربية وفق ثلاث مقاربات رئيسية تعكس اختلاف هوامشها المالية وقدرتها على امتصاص الصدمة.
في مصر اتجهت الحكومة الى مزيج من السياسات شمل رفع اسعار الوقود والكهرباء الى جانب اجراءات تقشفية في استهلاك الطاقة مثل تقليص ساعات عمل المحال وخفض الانارة العامة وذكرت رويترز ان هذه الاجراءات جاءت بعد تضاعف فاتورة واردات الطاقة مع تصاعد الصدمة الحالية مما دفع الحكومة الى اعادة توزيع الكلفة بين الدولة والمستهلك.
وفي هذا السياق قال جهاد ازعور مدير ادارة الشرق الاوسط واسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي في مؤتمر اطلاق تقرير افاق الاقتصاد الاقليمي ان الدول المستوردة للطاقة تواجه ضغوطا متزايدة على المالية العامة مع ارتفاع كلفة دعم الطاقة مما يفرض عليها المضي في اصلاحات تسعير الطاقة.
في الاردن اتخذت الحكومة مسارا اكثر توازنا من خلال تمرير جزئي لاسعار الوقود مع الحفاظ على دعم موجه لاسطوانات الغاز والكيروسين ووفق ما نقلته وكالة الانباء الاردنية فان الحكومة تحملت جزءا من الكلفة لتخفيف اثر الصدمة على المواطنين مع تسجيل اعباء مالية مباشرة في غضون فترة قصيرة من اندلاع الازمة.
وفي هذا السياق قال الباحث في شؤون الطاقة عامر الشوبكي ان ارتفاع اسعار المحروقات في الاردن يرتبط مباشرة بتاثير الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية على اسواق الطاقة محذرا من ان هذه الضغوط قد تستمر مع استمرار الاضطراب الاقليمي.
كما تظهر البيانات الرسمية لقطاع الطاقة في الاردن ان الاعتماد الكبير على الوقود المستورد يجعل اي تعديل في الاسعار العالمية ينعكس سريعا على السوق المحلية مما يجعل الوقود نقطة انتقال فورية لاي صدمة طاقية الى الاقتصاد المحلي.
اما في المغرب فقد اتجهت الحكومة الى دعم موجه لقطاع النقل عبر اعادة تقديم دعم للوقود لفائدة مهنيي النقل في محاولة لاحتواء اثر ارتفاع الاسعار عقب الحرب وذكرت رويترز ان هذه الخطوة جاءت بعد ارتفاع اسعار الوقود بنحو 30% نتيجة اضطراب الامدادات بهدف الحفاظ على استقرار التكاليف لكنها تعني عمليا نقل جزء من كلفة الصدمة الى الموازنة العامة بدل تمريرها كلها الى المستهلك.
ومع انتقال الكلفة من الموازنات الى الاسعار بدات اثار الازمة بالظهور على المستوى المعيشي فرغم اختلاف استجابات الحكومات فان القاسم المشترك كان انتقال الصدمة سريعا من مستوى الاسعار العالمية الى المستوى المحلي اذ انعكست كلفة الطاقة على تكاليف النقل والتشغيل قبل ان تمتد الى اسعار الغذاء والخدمات مما ادى الى تاكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الانتاج في القطاعات غير النفطية.
في مصر تجلى هذا الانتقال عبر قناتين متوازيتين الاولى عبر رفع اسعار الوقود والكهرباء والثانية عبر اجراءات ترشيد الاستهلاك مثل تقليص ساعات النشاط الليلي وخفض الانارة العامة وهو ما ضغط على ايرادات الانشطة الخدمية خصوصا تلك المرتبطة بالاقتصاد الليلي وقد ذكرت رويترز ان هذه الاجراءات جاءت في سياق احتواء الارتفاع الحاد في فاتورة الطاقة.
اما في الاردن فيظهر اثر الازمة بشكل اكثر وضوحا عبر قناة النقل باعتباره القطاع الاكثر ارتباطا باسعار الوقود مما يجعله ناقلا رئيسيا للصدمة الى باقي مكونات الاقتصاد سواء عبر كلفة السلع او الخدمات في ظل الاعتماد الكبير على النقل البري.
في المقابل تعكس تونس نمطا مختلفا لانتقال الازمة اذ اختارت الحكومة تثبيت اسعار الوقود محليا رغم ارتفاعها عالميا عقب الصدمة الحالية مما ادى الى تحميل الموازنة العامة كلفة متزايدة وفق تقارير نقلتها رويترز ويشير هذا النهج الى ان كبح الاسعار لا يلغي الصدمة بل ينقلها من السوق الى المالية العامة مع مخاطر لاحقة بظهور اختناقات في الامدادات كما اظهرت تجارب سابقة.
وعند مستويات اعلى من الهشاشة كما في لبنان تتجاوز ازمة الطاقة حدود الاسعار لتصبح ازمة خدمات اساسية وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش الى ان تراجع الامداد بالكهرباء الى مستويات متدنية يؤثر مباشرة على الصحة والمياه والاتصالات وهو ما يعكس انتقال الازمة الى البنية الاساسية للحياة اليومية.
وياتي ذلك في سياق اوسع من الضغوط المركبة اذ يعاني لبنان اصلا من ازمة مالية وهيكلية عميقة تفاقمت بفعل التوترات الامنية والحروب المتكررة في المنطقة مما يجعل قطاع الطاقة اكثر عرضة للانهيار عند اي صدمة اضافية في الامدادات او الاسعار.
وتكشف المقارنة بين الدول ان جوهر الازمة لا يكمن في وجود الكلفة بل في كيفية توزيعها فبعض الدول اختارت تمريرها سريعا الى الاسعار لتحسين اوضاعها المالية بينما فضلت دول اخرى امتصاص جزء منها لحماية الاستقرار الاجتماعي في حين لجأت دول الى تاجيلها عبر الدعم الموقت.
وفي هذا السياق اشار جهاد ازعور الى ان هذه الخيارات تعكس مفاضلة واضحة بين الاستقرار المالي والاستقرار الاجتماعي اذ يؤدي الدعم الى تخفيف الاثر الفوري لكنه يزيد العجز في حين يؤدي رفع الاسعار الى تحسين المالية العامة لكنه يرفع كلفة المعيشة.
وتظهر التطورات ان الدول الاكثر هشاشة هي تلك التي تجمع بين الاعتماد الكبير على الاستيراد وضعف الحيز المالي.
في هذا الاطار تبرز حالات مثل لبنان وتونس اللتين ادت اختلالات الطاقة فيهما الى ازمات اعمق شملت انقطاعات في الكهرباء او نقصا في الوقود وتشير تقارير البنك الدولي الى ان استمرار هذه الضغوط قد يؤدي الى تدهور الخدمات العامة وزيادة المخاطر الاجتماعية.
وفي قراءة اوسع يرى فاتح بيرول ان استمرار الاضطراب في الشرق الاوسط يضيف مزيدا من المخاطر الى اسواق الطاقة مما يبقي كلفة الامدادات مرتفعة لفترة ممتدة بالنسبة للدول المستوردة حتى في حال استقرار الاسعار الاسمية.
في المحصلة تعيد الازمة الحالية تعريف كلفة الطاقة على نحو هيكلي مع ترسخ المخاطر الجيوسياسية باعتبارها عنصرا دايما في التسعير يتجاوز التقلبات الدورية للاسعار.
ويشير تحليل وكالة الطاقة الدولية الى ان الاسواق في مثل هذه الحالات لا تعود بسرعة الى توازنها السابق لان عنصر المخاطر يصبح جزءا دايما من التسعير.
وتعكس هذه التطورات انتقالا نحو نموذج اقتصادي جديد تصبح فيه المخاطر الجيوسياسية مكونا ثابتا في تسعير الطاقة مع تحول الصدمات الخارجية الى ضغوط داخلية مستمرة على المالية العامة ومستويات المعيشة.







