من أرض الملعب إلى خيام النزوح: قصة فلسطين في غزة

تحول ملعب فلسطين في غزة من صرح رياضي نابض بالحياة إلى مأوى للنازحين، وذلك بعد أن كان الملعب وجهة مفضلة للرياضيين، حيث أصبح اليوم مخيما يأوي آلاف الأشخاص الذين فقدوا منازلهم جراء القصف والتدمير.
كشفت الغارات الإسرائيلية عن تدمير معظم أجزاء الملعب الذي تأسس عام 1998، حيث تحولت أرضيته الخضراء إلى مكان تنتشر فيه الخيام، واضطرت العديد من العائلات إلى الإقامة فوق وتحت المدرجات بعد أن فقدت منازلها في الحرب.
وخلال الحرب على غزة، اقتحم الجيش الإسرائيلي ملعب فلسطين عدة مرات، مما أسفر عن مقتل العشرات واعتقال آخرين، تاركا وراءه ندوبا لا تُمحى من ذاكرة الرياضيين الذين عاشوا لحظات لا تُنسى في هذا المكان.
لم يكن ملعب فلسطين المنشأة الرياضية الوحيدة التي استهدفتها الهجمات الإسرائيلية، إذ طال القصف أكثر من 265 ملعبا وصالة رياضية ومقرا للأندية، واستشهد أكثر من ألف رياضي فلسطيني، بينهم مئات من لاعبي ومدربي كرة القدم.
ويقول مصطفى صيام، الأمين العام لاتحاد الإعلام الرياضي الفلسطيني، إن الحركة الرياضية الفلسطينية كانت هدفا مباشرا للآلة العسكرية الإسرائيلية على مر السنين، سواء في الحرب الأخيرة أو في الحروب السابقة على قطاع غزة.
ويشير في حديثه إلى أن الاستهداف لم يكن عشوائيا، بل استهدف بشكل مباشر الملاعب والأندية والبنية التحتية الرياضية، بالإضافة إلى الكوادر البشرية من لاعبين ومدربين وإداريين.
ويضيف أن هذه الحرب تعتبر من الأقسى في تاريخ قطاع غزة، إذ شهدت تدميرا شبه كامل للمنظومة الرياضية، موضحا أن الأرقام تعكس حجم الكارثة، حيث تضررت أكثر من 265 منشأة رياضية كليا أو جزئيا، وكانت الخسارة الأكبر في الأرواح، حيث استشهد نحو ألف رياضي، بينهم 560 لاعبا ومدربا في كرة القدم وحدها.
وبحسب صيام، فإن ما تبقى من ملاعب ومنشآت في غزة لم يعد صالحا للاستخدام الرياضي، خاصة وأن معظمها تحول إلى مراكز لإيواء النازحين الذين فقدوا منازلهم، وهي بحاجة إلى إعادة بناء وترميم من جديد.
وفيما يتعلق بملعب فلسطين، يوضح صيام أنه كان أحد أهم المرافق الرياضية في القطاع على مدى سنوات، وتحول إلى مركز إيواء ضخم لعشرات الآلاف من النازحين، بعد أن كان يحتضن بطولات الدوري والفئات العمرية والأنشطة الرسمية التي ينظمها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم.
ويضيف: "القصف الإسرائيلي طال أيضا المؤسسات الرياضية المركزية، مثل المجلس الأعلى للشباب والرياضة، واللجنة الأولمبية الفلسطينية، والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، إلى جانب الأندية والصالات والأكاديميات الرياضية، في محاولة لضرب البنية التحتية الرياضية بشكل كامل".
ويرى صيام أن الرياضة الفلسطينية لم تستهدف فقط بصفتها نشاطا تنافسيا، بل أيضا لأنها تمثل وسيلة لنقل القضية الفلسطينية إلى العالم، وهو ما يجعلها جزءا من الهوية الوطنية التي يحاول الاحتلال طمسها بشتى الطرق.
من جانبه، يشعر صائب جندية، لاعب ومدرب المنتخب الفلسطيني السابق وعضو الدائرة الفنية في اتحاد الكرة، بالحسرة والألم على ما آل إليه حال ملعب فلسطين، الذي كان شاهدا على تألقه لسنوات طويلة مع فريقه السابق اتحاد الشجاعية والمنتخب الوطني.
ويشير جندية في حديثه إلى أن ملعب فلسطين كان يحتضن تدريبات المنتخبات الوطنية والأندية، وشهد مباريات تاريخية أبرزها المواجهة الودية بين "الفدائي" والزمالك المصري عام 2000، ومباراة الشجاعية ضد الوحدات الأردني في بطولة أبطال الكؤوس الآسيوية في العام نفسه، لكنه تحول اليوم إلى ساحة مكتظة بالخيام والنازحين.
اللافت أن جندية، الذي لطالما تألق داخل ملعب فلسطين لاعبا ثم مدربا، أصبح يرتاد الملعب اليوم لزيارة أقاربه الذين يسكنون جنبات الملعب، بعد اضطرارهم للنزوح من حي الشجاعية الذي يحتله الجيش الإسرائيلي حاليا ودمره بالكامل.
ويقول جندية (50 عاما) إن ذكرياته في ملعب فلسطين أكبر من أن تحصى، موضحا أنه أمضى أكثر من 35 عاما من عمره داخل ملاعب غزة، ولا سيما ملعبي فلسطين واليرموك، ويشعر بغصة كبيرة حينما يراها قد تحولت إلى أطلال وساحات مليئة بخيام النازحين.
ويؤكد نجم "الفدائي" السابق، والذي فقد بيته في حي الشجاعية ويعيش بدوره مرارة النزوح منذ أكثر من عامين، أن المنظومة الرياضية في غزة دمرت بشكل شبه كامل، مع فقدان معظم الملاعب والمنشآت واستشهاد المئات من الرياضيين.
ورغم كل الدمار الذي حل بالرياضة الفلسطينية في غزة، يبدي جندية تفاؤله بإمكانية عودة النشاط الرياضي في غزة، خاصة مع محاولات اتحاد الكرة الفلسطيني تنظيم بعض البطولات والفعاليات على ما تبقى من ملاعب صغيرة نجت جزئيا من آلة الدمار الإسرائيلية.
ويختم جندية بالقول: "الشعب الفلسطيني معتاد على تحدي كل الظروف، فبعد الانتفاضة الأولى عام 1987 توقفت الرياضة في غزة لسنوات ثم عادت من جديد، وكذلك بعد الحروب الإسرائيلية اللاحقة أعوام 2008 و2012 و2014، ورغم فداحة الدمار هذه المرة، لكن العودة وإعادة بناء الملاعب من جديد ليس مستحيلا".
أمام إحدى الخيام المهترئة التي نصبت فوق أرضية ملعب فلسطين، جلس محمد جندية مستذكرا السيناريو الذي لم يكن يتخيله يوما في أصعب كوابيسه، وهو العيش داخل الملعب الذي كان يزوره باستمرار مشجعا وفيا لنادي اتحاد الشجاعية.
يقول محمد: "كان المجيء إلى ملعب فلسطين بمثابة نزهة مليئة بالشغف والحماس، خصوصا في مباريات فريق الحي (اتحاد الشجاعية)، لكنني أعيش منذ أشهر داخله في خيمة وأنتظر على أحر من الجمر لحظة مغادرته والعودة إلى مكان سكني رغم أنه دمر بالكامل".
ويروي محمد تفاصيل يوميات الوجع داخل الملعب الذي يتكدس داخله آلاف النازحين، مشيرا إلى أن همه الأكبر حاليا هو الحصول على بعض الماء والطعام لعائلته، بينما تتزاحم في ذاكرته لحظات الحماس وصوت هتافات الجماهير وركل الكرة، ثم سرعان ما يتبعها مشاهد الوجع، وأبرزها تلك التي قتل فيها جيش الاحتلال عشرات النازحين الذين بحثوا عن الأمان في الملعب فوجدوا الموت بانتظارهم.







