هل تتحول الحرب الى أزمة اقتصادية عالمية؟ الطاقة تهدد استقرار الاسواق

في ظل إصرار الرئيس الاميركي على قرب نهاية الازمة، تبدو النقاشات داخل البيت الابيض اقل تفاؤلا، فالمسالة لم تعد مقتصرة على تكلفة العمليات العسكرية او موعد انتهاء الحملة، بل تتجاوز ذلك الى تداعيات محتملة في حال استمرار اضطراب امدادات الطاقة وارتفاع اسعار النفط الى مستويات قياسية.
وبحسب تقرير في «بوليتيكو»، فإن المناقشات الاخيرة في الادارة الاميركية تعكس قلقا متزايدا من التعامل مع سعر 100 دولار للبرميل كـ«خط اساس» وليس كسقف، اضافة الى بحث افكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.
والمفارقة، ان الاسواق استقبلت الاشارات الايجابية لترمب بارتياح، حيث تراجع برنت الى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد تصريحاته عن قرب انسحاب القوات الاميركية، الا ان هذا التراجع لا ينفي حقيقة ارتفاع الاسعار بقوة خلال الفترة الماضية، واستمرار حالة القلق من اغلاق مضيق هرمز وتأثيره على الاقتصاد العالمي.
والسبب الاساسي، ان الخطر لم يعد مجرد احتمال نظري، فمضيق هرمز يعتبر ممرا حيويا لنحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات، بدأت الاسواق تشهد نقصا فعليا في الامدادات، وليس مجرد تخوفات نفسية او مضاربات.
وحذرت وكالة الطاقة الدولية من ان خسائر الامدادات قد تتضاعف مقارنة بالشهر الماضي، ما يعني ان الاثر الحقيقي للازمة قد يكون مؤجلا لا غائبا، فحتى مع انخفاض اسعار النفط بشكل مؤقت، فان نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد.
لذلك، لم يعد الحديث عن سعر 150 دولارا للبرميل مجرد تهويل اعلامي، فيما يرتبط سيناريو 200 دولار بشكل خاص باستمرار اغلاق مضيق هرمز او توسع نطاق الضربات على البنية التحتية للطاقة.
والمؤكد حتى الان، ان ادارة ترمب تبحث عن حلول لازمة الطاقة، ويشير تقرير «بوليتيكو» الى بحث «صلاحيات طارئة اضافية» وتنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، بمشاركة وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية، كما يدرس المسؤولون في البيت الابيض كل فكرة يمكن ان تخفف اسعار الطاقة او تحد من اضطراب سلاسل التوريد.
وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الاكثر واقعية هي السحب الاضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو امر قالت وكالة الطاقة الدولية انها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.
كما يجري الحديث عن اجراءات لخفض الطلب، مثل تشجيع العمل عن بعد او تدابير لترشيد استهلاك الوقود، الا ان هذه الادوات قد تخفف من الصدمة ولكنها لا تنهيها، لان المشكلة الاساسية تكمن في المرور عبر مضيق هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.
اما الخيارات الاكثر حساسية سياسيا، مثل تقييد الصادرات النفطية الاميركية لخفض الاسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، كذلك فان زيادة الانتاج الاميركي ليست حلا سريعا، فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلا، ولكن توسيع الامدادات بسرعة يواجه قيودا لوجستية وتكريرية وسوقية، لهذا تبدو واشنطن قادرة على شراء الوقت اكثر من قدرتها على فرض عودة فورية الى «الوضع الطبيعي».
وفي الداخل الاميركي، يوازي الخطر السياسي الخطر الاقتصادي، فمتوسط سعر البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، واي قفزة جديدة ستتحول سريعا الى عبء على الاسر، خصوصا الفئات الافقر، عبر الوقود والنقل واسعار السلع، وهذا ما يجعل صدمة النفط اشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك.
اما خارجيا، فالتداعيات اوسع، حيث تستعد اوروبا لاستقبال اثار نقص الامدادات، وتعاني اسيا اصلا شحا في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال، وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من ان الازمة الراهنة قد تتجاوز صدمات طاقة كبرى سابقة.
وبينت مؤسسات اقتصادية ان توقعات النمو في اوروبا انخفضت بسبب التضخم وتكلفة الطاقة، وبعبارة اخرى، فان ارتفاع اسعار النفط يهدد النمو والتضخم واسعار الفائدة واستقرار الاسواق.
لهذا يمكن القول ان لدى ادارة ترمب «خططا» بالمعنى الاجرائي، لا «حلا» بالمعنى الاستراتيجي، فهناك ادوات طوارئ واحتياطات يمكن السحب منها ومناقشات مستمرة لاحتواء الاسعار، ولكن نجاح هذه الادوات يبقى رهنا بالمتغير الاهم: هل ينتهي القتال فعلا؟ وهل يفتح مضيق هرمز بصورة امنة ومستقرة؟ اذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو ارتفاع الاسعار مجرد كابوس استباقي، اما اذا طال امد الحرب او استمر تعطيل الملاحة، فان البيت الابيض قد يجد نفسه امام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي اذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.







