تحركات الجيش اللبناني في الجنوب استراتيجية جديدة لحماية القوات

ينفذ الجيش والقوى الامنية اللبنانية اعادة انتشار لوحداتهما في الجنوب وذلك كاجراء وقائي تحت ضغط النيران الاسرائيلية في خطوة ينظر اليها بوصفها استراتيجية لتجنب وجود العناصر الرسمية على تماس مباشر مع القوات الاسرائيلية او حدوث احتكاك بينها.
وياتي ذلك في ظل غياب قرار سياسي بمواجهة التوغلات الاسرائيلية عسكريا كما يفسر الاجراء على انه تطبيق لتكتيكات الحماية لعناصرهما في منطقة تشهد اشتباكات.
وقال مصدر امني لبناني مطلع لـ«الشرق الاوسط» ان القوى الامنية تعتمد مبدا ميدانيا ثابتا يقوم على البقاء الى جانب الاهالي حتى اللحظة الاخيرة موضحا ان «العناصر تبقى حيث يوجد المدنيون وتنسحب فقط بعد اكتمال النزوح وقبل اي توغل اسرائيلي محتمل بما يضمن عدم تعريضهم او تعريض السكان للخطر».
وحسب المصدر يرتبط انتشار القوى الامنية مباشرة بحركة النزوح وواقع كل بلدة اذ «يشكل وجود الاهالي عاملا حاسما في بقاء مخافر قوى الامن».
ويكشف المصدر انه «لا يجري اخلاء المخافر وفق خطة مركزية معلنة بل استنادا الى معطيات ميدانية متغيرة» اذ «كل بلدة تخلى من سكانها يصار حكما الى اخلاء مخفرها وتلتحق العناصر باقرب نقطة عسكرية» وفي هذا السياق برزت بلدة الخيام بوصفها «من اخر النقاط التي حافظت على وجود امني الى جانب السكان حتى المراحل الاخيرة من النزوح قبل ان يتم اخلاؤها».
تعكس بلدة دبل تعقيد التداخل بين القرار الامني ورد الفعل المحلي اذ كشف مصدر من ابناء البلدة لـ«الشرق الاوسط» ان الجيش اللبناني كان يمتلك نقطة متقدمة عند اطرافها الا انه ومع بدء توغلات اسرائيلية محدودة في محيطها جرى سحب هذه النقطة ليلا الى داخل البلدة وتحديدا الى المدرسة الرسمية.
ويضيف المصدر ان «الانسحاب لم يتوقف عند هذا الحد اذ جرى في اليوم التالي سحب العناصر بالكامل من دبل باتجاه رميش ما ادى الى غياب اي وجود عسكري فعلي داخل البلدة مع بقاء العناصر من ابناء دبل في منازلهم بلباس مدني».
الاكثر حساسية كان طرح قرار بنقل العسكريين من ابناء البلدة مع عائلاتهم الى خارج البلدة وهو ما فهم محليا بوصفه تمهيدا لافراغ البلدة الا ان هذا التوجه قوبل برفض واسع من الاهالي.
ويكتسب هذا الرفض ثقله من المعطى العددي اذ يناهز عدد العناصر الامنية من ابناء دبل نحو 200 بين الجيش والقوى الامنية ما يعني ان خروجهم مع عائلاتهم كان سيؤدي عمليا الى تفريغ البلدة بشكل شبه كامل وقد ادى تحرك سياسي اهلي شمل وزارتي «الدفاع» و«الداخلية» ومرجعيات دينية الى تجميد هذا التوجه.
ورغم التوتر يؤكد المصدر ان البلدة ليست محاصرة مشيرا الى ان طريق «دبل - رميش» لا يزال مفتوحا ما سمح بتراجع فكرة الاجلاء وفي ظل هذا الواقع يلتزم الاهالي والعناصر منازلهم فيما تبقى المراكز العسكرية والمخافر قائمة في بلدات مجاورة مثل عين ابل ورميش.
وكانت وسائل اعلام محلية قد افادت بان الجيش اللبناني اعاد التموضع عند حاجز الخردلي المدخل الاساسي الى منطقة جنوب الليطاني من القطاع الشرقي كما يستعد لاعادة الانتشار عند حاجز كفرا في ضوء تقدم القوات الاسرائيلية نحو بيت ليف ووادي العيون المقابلين له من الجهة الجنوبية.
في موازاة هذه التحركات تفقد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل عددا من الوحدات في بيروت وصيدا واطلع على التدابير الامنية المتخذة في قطاعات مسؤوليتها.
وتوجه الى العسكريين مشددا على ضرورة الحفاظ على الجهوزية «لمنع الاخلال بالامن والحزم في وجه اي محاولة للمساس بالاستقرار الداخلي».
وقال «رغم الشائعات وحملات التحريض التي تسعى الى التقليل من شان تضحيات العسكريين وجهودهم لن يتوانى الجيش عن تحمل مسؤولياته الوطنية» داعيا العسكريين الى «عدم التاثر بهذه الشائعات والتمسك بعقيدتهم والالتزام باداء واجبهم الوطني».
في قراءة عسكرية قال النائب السابق والعميد المتقاعد شامل روكز لـ«الشرق الاوسط» ان ما يجري «لا يمكن توصيفه بكونه حالة انسحاب عسكري تقليدي بل يندرج ضمن اعادة تموضع ميدانية مدروسة تفرضها طبيعة المواجهة غير المتكافئة في ظل التفوق الجوي والناري الاسرائيلي وما يرافقه من فرضية استهداف مباشر للنقاط المكشوفة».
واوضح ان «الجيش اللبناني يتحرك ضمن هامش تحدده السلطة السياسية اذ لا يوجد حتى الان قرار صادر عن مجلس الوزراء يقضي بالتصدي او الانخراط في مواجهة مباشرة مع الجيش الاسرائيلي».
واضاف ان المؤسسة العسكرية «تدير انتشارها على هذا الاساس بما يوازن بين الحضور الميداني ومتطلبات السلامة».
وفيما يتعلق باخلاء بعض النقاط ومنها ما يتداول بشان دبل شدد روكز على ان «المسالة لا ترتبط بتخل عن الارض او انهيار في الجبهة بل باجراءات وقائية تفرضها الوقائع الميدانية حيث تصبح بعض المواقع اهدافا سهلة تحت القصف».
واشار الى ان اعادة التموضع «تحمل بعدا عملياتيا ومعنويا اذ تهدف الى تجنب الاحتكاك المباشر في ظل غياب قرار سياسي والحفاظ على معنويات العسكريين وعدم زجهم في مواجهات غير متكافئة» معتبرا ان «القيادة العسكرية تعتمد مرونة عالية في ادارة الانتشار عبر الانتقال من مواقع مكشوفة الى اخرى اكثر امانا».
ولفت الى ان ما يجري «يندرج ضمن تكتيكات الحماية واعادة الانتشار المعتمدة في بيئات عالية الخطورة» مؤكدا ان «المشهد يعكس ادارة دقيقة للتوازن بين القرار السياسي والواقع الميداني حيث لا يمكن فصل اداء الجيش عن توجيهات الدولة ولا عن طبيعة التهديد القائم».







