مأساة البحث عن عمل: شاب فلسطيني يلقى حتفه برصاص الاحتلال جنوبي الضفة

في مشهد مأساوي يجسد معاناة الفلسطينيين، انتهت رحلة بحث شاب فلسطيني عن عمل داخل الخط الاخضر بمطاردة مميتة من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين جنوبي الضفة الغربية، لتودي بحياته وتصيب آخرين.
وقعت الحادثة المروعة مساء الاربعاء في منطقة خالية جنوب مدينة الخليل، حيث اعتاد العمال الفلسطينيون العبور بحثا عن فرص عمل، لكن هذه المرة كان جيش الاحتلال والمستوطنون بانتظارهم، ليطلقوا الرصاص ويلاحقوهم بوحشية، مما ادى الى انقلاب مركبة ووفاة الشاب يسري ابو قبيطة من بلدة يطا، واصابة ثمانية آخرين.
ووسط اجواء من الحزن والاسى، قال ماجد ابو قبيطة والد الشهيد يسري ان نجله كان شابا بسيطا يسعى لكسب رزقه وعائلته، مضيفا ان الظروف الاقتصادية الصعبة وقلة فرص العمل في الضفة دفعته للمخاطرة بحثا عن لقمة العيش.
واضاف ان ابنه كان في مقتبل العمر ولديه طفلة.
ومنذ بدء الحرب على غزة في اكتوبر، تمنع اسرائيل عودة عشرات الاف العمال الى اماكن عملهم، مما يجبر الكثيرين على المغامرة والمخاطرة لتوفير قوت عيالهم، لكن جيش الاحتلال يلاحقهم بوحشية.
من جهته، روى ضياء فنشة صديق يسري اللحظات الاخيرة في حياة رفيقه، مبينا ان يسري كان معتادا على اصطحابهم من منازلهم بسيارته، وانه نظرا لسوء الاحوال الجوية قرروا العودة، لكنهم فوجئوا باطلاق النار عليهم من قبل المستوطنين وبوجود جيش الاحتلال.
واوضح انه اثناء عودتهم، بدا اطلاق النار من قبل المستوطنين على مركبتهم ومركبات اخرى، فحاول السائق الفرار لكن المركبة علقت في الوادي، فطلب من الركاب الترجل والهرب بينما بقي هو، لكن المفاجاة كانت في انقلابها فوقه واستشهاده.
الحال ليس افضل بالنسبة للعمال الذين ينجحون في الوصول الى اماكن العمل، وهنا استذكر الشاب رائد عصام (23 عاما) من مدينة سلفيت اللحظات الصعبة التي عاشها مع مجموعة كبيرة من رفاقه، بعد مداهمة عناصر شرطة الاحتلال الغرفة التي كان يسكنها بالقرب من مكان عمله في مدينة اللد داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة.
انهى رائد عمله في احدى ورش البناء مساء التاسع من يناير الماضي، وعاد الى مكان سكنه، الذي يشاركه فيه قرابة 40 عاملا من بلدات مختلفة في الضفة الغربية، وذكر انه كان يحاول تحضير وجبة طعام مع اصدقائه حين سمع اصوات دوريات الشرطة الاسرائيلية تقترب من المبنى الذي يقيمون فيه.
واضاف انه في لحظات، كان افراد الشرطة يطوقون المكان بالكامل، وبدات المداهمة، والسبب طبعا انهم عمال من دون تصاريح، او ما يعرف محليا بالتهريب، وكان تعاملهم عنيفا جدا، حيث ضربوهم بالهراوات والسلاسل الحديدية، ثم اجبروهم على الجلوس في وضع القرفصاء مع وضع رؤوسهم بين ارجلهم، وقاموا بتقييد ايديهم وتعصيب اعينهم، وبقوا على هذه الحالة لاكثر من 6 ساعات، قبل ان يتم اخلاء المبنى وطردهم بحافلات صغيرة الى معبر بيت سيرا غرب مدينة رام الله.
لم تكن حادثة مداهمة الشرطة واعتقال رائد واصدقائه وطردهم اكثر قسوة من رحلة وصوله الى اللد، والتي بدات من مدينة سلفيت وسط الضفة الغربية، وصولا الى بلدة الرام شمال القدس، حيث تسلق سلما ليجتاز جدار الفصل العنصري للوصول الى الجهة الاخرى، ومن ثم الى مدينة اللد.
واكد رائد ان تسلق الجدار مخاطرة كبيرة جدا، وانه كان يحبس انفاسه في كل لحظة، ووصلوا مع ساعات المساء وانتظروا حتى وقت متاخر من الليل، ناهيك عن الخوف من اكتشافهم واطلاق النار عليهم، مشيرا الى ان العملية بحد ذاتها تشعر الانسان بنوع من الذل وانتهاك الكرامة، وكانهم لصوص يحاولون الهرب، وكل هذا من اجل تامين ما يقال عنه مستقبل، واي مستقبل قد ينتهي برصاصة من جندي بمحاذاة الجدار.
وبحسب شهادته، فان رحلة التهريب الى اماكن العمل في الداخل المحتل تبدا بدفع مبالغ مالية تصل الى نحو الفي شيكل (قرابة 700 دولار) لسماسرة يتولون وضع السلالم على جدار بلدة الرام، ونقل العمال من الجانب الاخر بواسطة حافلات، ولا تخلو هذه الرحلة من المعاملة الفظة والاهانة، واضطرار العمال الى المرور عبر عبارات مياه واراض زراعية موحلة.
وفي حديثه، قال شاهر سعد الامين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين ان حادثة استشهاد العامل يسري ماجد ابو قبيطة واصابة 8 آخرين اثناء توجههم الى اماكن عملهم في قطاع البناء داخل الاراضي المحتلة جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وندد باستمرار استهداف العمال الفلسطينيين ومحاربتهم في مصدر رزقهم الوحيد.
وبين سعد ان عدد العمال الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني بلغ قبل السابع من اكتوبر نحو 240 الفا، بينهم من يحملون تصاريح عمل وآخرون لا يملكونها.
ويوميا، تشهد مناطق مختلفة بين مدن الضفة والداخل حالات ملاحقة واطلاق نار واعتقال لعمال اثناء محاولتهم الوصول الى اماكن عملهم، وقد وثقت كاميرات مراقبة اكثر من مرة اصابة عمال على جدار الفصل العنصري في مناطق شرق القدس وجنوب الخليل وغيرها، فيما اعلنت شرطة الاحتلال اعتقال 9 عمال فلسطينيين غرب القدس المحتلة بزعم دخولهم دون تصريح.
واشار سعد الى ان ارتفاع نسبة البطالة في السوق الفلسطيني، وعدم تعويض العمال عن خسائرهم خلال العامين والنصف الماضيين، وغياب صناديق الحماية الاجتماعية، اجبرتهم على العودة لمحاولات الدخول الى اراضي عام 1948 بطرق التفافية ومن دون تصاريح، رغم ادراكهم لحجم المخاطر في كل مرة، مقدرا العدد بنحو 70 الفا.
واضاف انه منذ 7 اكتوبر قتلت قوات الاحتلال قرابة 68 عاملا فلسطينيا، فيما بلغ عدد المصابين نحو 5 آلاف، فضلا عن حالات الاعتقال اليومية، واليوم نصل الى 30 شهرا من منع العمل في اراضي 1948، ما يعني خسارة تقدر بنحو 27 مليار دولار للعمال الفلسطينيين، وهي خسارة لا يمكن تعويضها، ولا توجد اي مؤشرات على السماح لهم بالعودة الى اعمالهم.
ويرى سعد ان اسرائيل تسعى الى افقار فئة العمال للضغط عليهم ودفعهم للتفكير بالهجرة وفقدان الامل في العيش في فلسطين، تمهيدا لتنفيذ مخططاتها بالضم والتوسع والسيطرة على اراضي الضفة الغربية.
وبحسبه، فان الخسارة الشهرية لفئة العمال تقدر بنحو مليار و350 مليون شيكل، وهو ما ينعكس سلبا على الاقتصاد المحلي.
في عام 1991، اقرت اسرائيل نظام تصاريح العمل بموجب قانون العمالة الاجنبية الذي يفرض على كل عامل الحصول على تصريح فردي للعمل داخلها بناء على طلب من صاحب العمل وضمن كوتا محددة، وبعد عام 2020، انشات الادارة المدنية الاسرائيلية منصة الكترونية تتيح للعامل الفلسطيني التقدم بطلب تصريح في قطاع اقتصادي معين (البناء، الزراعة…) دون الارتباط بمشغل محدد، بهدف احكام الرقابة على العمال.
ويتطلب الحصول على تصريح حيازة بطاقة هوية بيومترية صادرة عن الجهات الاسرائيلية، واجتياز فحص امني يشمل اعتبارات اخرى، مثل الحالة الاجتماعية وعمر العامل، الذي يشترط ان يزيد على 22 عاما.
ووفق معطيات للجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني، نشرت عام 2022، اي قبيل بدء حرب الابادة، فان 48% من عمال الضفة الغربية العاملين في اسرائيل ينحدرون من مناطق ريفية، مقابل 23% من المخيمات.
وتشير المعطيات الى ان معظم العمال ضمن الفئة العمرية بين 15 و44 عاما، مع انخفاض النسبة تدريجيا مع التقدم في العمر، لتبلغ 16.5% لمن هم فوق 55 عاما، ويستقطب قطاع الانشاءات النسبة الكبرى منهم، يليه القطاع الزراعي، ثم الصناعة والخدمات.







